قرار مفاجئ وغير مفهوم حتى الآن، ذلك الذي انفرد بالإعلان عنه عزيز أخنوش، زعيم حزب التجمع الوطني للأحرار، رئيس الحكومة الحالية، خلال حضوره لأشغال “برلمان حزبه”في الرباط، اعقبه اجتماع للمكتب السياسي، قبل أن يخرج عبر جرائد دراعه الإعلامي، ليلعن لأعضاء حزبه وللمغاربة، بأنه سيغادر عش”الحمام”، مشددا على أنه لن يترشح لرئاسته وبالتبعية لن يراهن عليه إخوانه للتربع على كرسي المشوار لحكومة المونديال.
مأتم حزين بمنزل حزب”الأحرار”
فبالرجوع إلى الفترة الزمنية الخاطفة التي جاء فيها إعلان أخنوش بالتنحي من المشهد السياسي والحكومي، والتي اعتبرها المتتبعون سرا حرص رئيس الحكومة زعيم حزب”الحمامة”على الاحتفاظ به لنفسه تحسبا لغضبة الجهة التي أمرته بالتنحي، لاحظ المراقبون بأن اخنوش بدا خلال انطلاق أشغال المجلس الوطني لحزبه أول أمس السبت 10 يناير الجاري، متحمسا لقيادة سفينة حزبه نحو ترأس حكومة المونديال المقبلة، والتي ستفرزها الانتخابات التشريعية لهذه السنة 2026، مما جعله يشدد في كلمته على أن”حزب الأحرار أصبح قوة سياسية والمطلوب احترام الإرادة الشعبية للمغاربة”، وذلك في إشارة مبطنة على أنه سيتصدر انتخابات 2026، وهو ما جعله يطلب من أعضاء “برلمان حزبه”، الترحيب بقرار تمديد عمر الهياكل الحزبية الحالية في مقابل التركيز على الانتخابات، وهو القرار الذي كان منتظرا بأن يتبناه المكتب السياسي خلال اجتماعه ليوم أمس الأحد 11 يناير الجاري.
وفي الوقت الذي كان المكتب السياسي للأحرار، يتهيأ لتبني قرار تمديد عمر ولاية جميع الأجهزة الحزبية، وعدم تنظيم مؤتمرات إقليمية وجهوية وبعدها المؤتمر الوطني لتجديد الهياكل، فوجئ الجميع بالخروج غير المنتظر، لأخنوش ليعلن عن السر الذي ظل يحتفظ به لساعات سبقت اجتماع المكتب السياسي، ليعلن عبر جرائد دراعه الإعلامي، بأنه اتخذ قرارا شخصيا لا رجعة فيه، يقضي بمغادرة حزب”الأحرار”وعدم الترشح لرئاسته ضمن ولاية جديدة كانت ستكون متاحة وميسرة من قبل مناصريه لترويض كل القوانين لتكون على مقاس رئيسهم وأبيهم الروحي.
والمثير في الأمر هو أن السر الذي كلف أخنوش بأن يعلن عنه بنفسه وبدون وساطة أو سابق إشعار حتى لأقرب مقربيه، وفق ما شددت عليه “الأوامر”كما يبدو، فإن رئيس الحكومة وزعيم نفس الحزب، توصل بتفاصيل وصفة تنحيه، على أن يُنفذها رويدا رويدا، ومنها إعلانه عن موعد اجراء المؤتمر الاستثنائي لانتخاب رئيس جديد، حددته الجهة التي أصدرت”الأوامر”وفق التحليلات وتدقيقات الناشطين في عمليات تشريح هذا التنحي/القنبلة، في الـ7 من شهر فبراير المقبل، على أن يكون الـ21 من يناير الجاري هو آخر موعد لتلقي الترشيحات، فيما جرى وسط هذه الصدمة انتخاب لجنة تحضيرية للمؤتمر بعدما كان الجميع يتهيأ للنظر في قرار تمديد عمر ولاية جميع الأجهزة الحزبية لما بعد الانتخابات التشريعية لـ2026.
فالجميع من وزراء ومنتخبين ومناضلين، لم يجرء أي أحد منهم على طلب أي تفسير من أخنوش، بشأن قرار التنحي المفاجئ، ذلك أنهم جميعا شعروا بأن القرار يتجاوز أخنوش وحزبه وحكومته ومستقبله السياسي، مما جعلهم يبلعون لسانهم خشية من غضبة قد تطالهم من الجهة التي أصدرت قرار التنحي، وفق ما ذهبت إليه عدد من تحليلات المراقبين، حتى أن أغلب التجمعيين باتوا في حيرة من أمرهم، وهم يفكرون في رئيس حزبهم المرتقب، خصوصا أن كل الشخصيات الحزبية بدت غير قادرة على الترشح لأخذ مكان أبيهم الروحي والذي غادر السفينة، على ما يبدو، مكرها متجردا من إرادته، بعدما صرف المال النفيس والمجهود على قوافل التغني بالإنجازات الحكومية، وكله أمل في أن يحظى بولاية ثانية، حيث عبر عن ذلك صراحة اليوم الذي سبق قرار التنحي، حين خاطب خصومه قبل أنصاره وحلفائه، بأن “حزب الأحرار أصبح قوة سياسية والمطلوب احترام الإرادة الشعبية للمغاربة”، في إشارة ضمنية تقر بأنه سيتصدر نتائج حكومة المونديال، وعلى الجميع سياسيين وغيرهم القبول بهذا “الشر الذي لا بد منه”.
هل الدولة قررت قطف رؤوس أينعت؟
يرى جانب كبير من المتتبعين والمحللين، بأن إعلان أخنوش عن عدم استمراره على رأس حزب الأحرار، وما يستتبع ذلك ضمنيا من عدم عودته إلى رئاسة الحكومة، ليس فقط مجرد رغبة أو تقدير من مسؤول سياسي، بل هو تدشين رسمي لتوجه جديد، بدايته كانت مع أخنوش وستليه إشارات ستوجه إلى نماذج سياسية مماثلة في الحكومة والبرلمان والجماعات المحلية، قصد الإعلان طواعية عن نهاية الصلاحية، وفتح المجال أمام التصور الجديد للعمل السياسي، ومغرب ما بعد 2026 .
ويتوقع البعض مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، كما يقولون بأن نرى”ديناصورات”الريع والفساد والتي تختار الانتخابات “حصان طروادة”بغرض التسلل إلى مراكز القرار والاغتناء منه، لتُعلن اليوم أو غدا انسحابها من العمل السياسي وعدم ترشحها للانتخابات المقبلة.
من جهته أختار مراقبون آخرون، طرح أسئلة كثيرة و معقدة، بعد واقعة”قرار أخنوش التنحي”، منها هو التصور السياسي الجديد ؟ وماهي نخبه؟ ومن سيسير الشأن العام في ظل غياب نقاش حقيقي؟ أين هي الشخصيات السياسية القادرة على الجدة والتجديد ؟ هل مازالت جدوى للنقاش السياسي بعد ما قتلته السياسة؟ وأي أفق سياسي باق في ظل السياق الذي يعيشه المغرب؟ هل بقي اليسار يسارا واليمين يمينا؟ وما جدوى ممارسة السياسة في المغرب اذا كان الكل مبرمجا سلفا و قواعد اللعبة معروفة نتائجها مسبقا، ثم أين هي الاحزاب التي ستحمل هذا التصور إن بقي شيء من”ساس.. يسوس”؟

















