أثار التقرير رقم 8 الصادر مؤخرا عن مؤسسة رئاسة النيابة العامة حول تنفيذها للسياسة الجنائية وسير نفس المؤسسة برسم سنة 2024، في جانبها المتعلق بقضايا الصحافة والنشر، جدلا واسعا وسط الصحفيين والمغاربة أجمعين باعتبار هذا القطاع جزء لا يتجزأ عن انشغالات المجتمع وحقه في الرأي والتعبير والحصول على المعلومة من المهنيين المشتغلين فيها، حيث شكل دخول النيابة العامة بعدد من المحاكم الابتدائية طرفا في ملفات الصحافة والنشر، أمرا محرجا لرئيس هذه المؤسسة هشام البلاوي في تقريره السنوي، وذلك بخلاف مسعى هذه المؤسسة وجهودها المبذولة في دعم حرية الصحافة وتعزيز الضمانات المرتبطة بها.
النيابة العامة وشعار “ضمان حق حرية الصحافة والنشر” :
شدد التقرير السنوي (2024) لمؤسسة النيابة العامة في الصفحة رقم 300، وهو يستعرض تنفيذ السياسة الجنائية في قضايا الصحافة والنشر، على أن رئاسة النيابة العامة”تولي عناية خاصة لتدبير القضايا ذات الصلة بحرية الصحافة والنشر، في احترام تام للضمانات المكفولة بموجب أحكام الدستور المغربي، والقوانين الوطنية ذات الصلة، وكذا الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف المملكة المغربية”
وزاد نفس التقرير في ذات السياق، على رئاسة النيابة العامة ارتباطا منها بهذه الالتزامات في تعطيها مع قضايا الصحافة والنشر حرصت على”توجيه المسؤولين القضائيين للنيابات العامة إلى التعامل مع قضايا الصحافة والنشر بما يحقق التوازن المطلوب بين حماية الحقوق والحريات من جهة، وضمان تطبيق القانون من جهة أخرى، وذلك من خلال التأطير والتكوين والتتبع والتقييم المستمر للممارسات القضائية في هذا المجال”وفق تعبير التقرير.
معالجة النيابات العامة لملفات قضايا الصحافة والنشر :
أوضح تقرير رئاسة النيابة العامة، بناء على تقارير النيابات العامة بمختلف محاكم المملكة، بأن”معالجة ملفات قضايا الصحافة والنشر خلال سنة 2024 تمت باحترام التوجهات العامة لرئاسة النيابة العامة، حيث أظهرت المعطيات الإحصائية المتعلقة بالسنة المذكورة”، يردف نفس التقرير، بأن”المتابعات التي أقامتها النيابات العامة في حق الصحفيين المهنيين على خلفية أفعال مجرمة بموجب قانون الصحافة والنشر لم تتجاوز نسبة %12 من مجموع المتابعات المسجلة خلال هذه السنة”.
وشدد تقرير مؤسسة البلاوي، على أن النسبة الغالبة في المتابعات المقامة تعود إلى الشكايات المباشرة التي تقدم بها المتضررون أمام الجهات القضائية المختصة(هيئات الحكم والتحقيق)،حيث أرفق بالتقرير جدول بياني يفسر عدد الصحفيين المهنيين المتابعين خلال سنة 2024 بحسب مصدر تحريك الدعوى، من بينهم 46 صحافية وصحافي توبعوا من أجل شكايات مباشرة، في مقابل صحافيين اثنين واجها متابعات تلقائية من النيابة العامة، وأربعة آخرين بناء على شكايات عادية قدمت أمام النيابة العامة.

إشادة بترشيد إقامة الدعوى العمومية في حق “الصحفيين المهنيين” يقابله صمت عن تدخلات النيابات العامة:
أشاد التقرير بالنسبة الغالبة في المتابعات المقامة والتي تعود إلى الشكايات المباشرة، حيث نوه بمواكبة وتتبع عمل النيابات العامة في تدبير الدعوى العمومية في قضايا الصحافة والنشر، وذلك انسجاما مع ما أقره الدستور المغربي بخصوص ممارسة حرية الصحافة.
ولفت تقرير مؤسسة النيابة العامة، إلى ارتكاز توجهات السياسة الجنائية الوطنية على تحقيق التوازن بين ضمان حرية الصحافة كمبدأ دستوري مستمد من المواثيق الدولية، وحماية حقوق الأفراد والهيئات واستتباب الأمن والنظام العام، وهو ما تعكسه بحسب ذات التقرير، التوجهات المضمنة في الدوريات الصادرة عن رئاسة النيابة العامة الموجهة للنيابات العامة لدى المحاكم، تحث على ترشيد إقامة الدعوى العمومية في حق”الصحفيين المهنيين”في قضايا”السب والقذف”، وتوجيه المشتكين في هذه القضايا إلى سلوك مساطر قضائية أخرى تفعيلا لسلطة الملاءمة المخولة قانونا للنيابة العامة، مع مراعاة الحالات الخاصة الواردة في القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، حيث توقف تقرير مؤسسة البلاوي عند( الدورية عدد 33س / ر ن ع / 2019 بتاريخ 17 شتنبر 2019)والتي سبق للرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النبوي، بأن أصدرها خلال توليه لمهمة رئيس مؤسسة النيابة العامة.
واللافت أنه في مقابل إشادة تقرير البلاوي بترشيد إقامة الدعوى العمومية في حق”الصحفيين المهنيين”، وتوجيه المشتكين إلى سلك مسطرة الشكايات المباشرة في ملفات”السب والقذف”المرتبطة بعمل الصحفيين، فإن التقرير صمت عن تدخل النيابات العامة بعدد من المحاكم، وقبولها للشكايات العادية المقدمة إليها،حيث تحولت النيابات العامة في عدد من الملفات إلى طرف في مواجهة”الصحفيين المهنيين”، بعدما يفاجؤها المشتكون بتقديمهم لتنازلاتهم عن شكاياتهم خلال رواج ملفاتهم أمام المحاكم، في صورة تُعاكس تنفيذ السياسة الجنائية في قضايا الصحافة والنشر، وكذا مرامي وأهداف دورية محمد عبد النبوي والتي ضمها هشام البلاوي لتقريره، لما لها من أبعاد أهمها أن سلطة النيابة العامة لم تعد مطلقة في تحريك المتابعات ضد الصحافيين المهنيين، وذلك ضمن توجه ينسجم مع مقتضيات دستور 2011 الضامن لحرية الصحافة بالمغرب كمبدأ دستوري مستمد من المواثيق الدولية.
وفي هذا الإطار، سبق لدفاع”الميادين نيوز”خلال مرافعات محاميها أمام المحكمة الابتدائية بفاس وهي تنظر في ملفين لمحاكمة”خبرين”نشرتهما وتوبعت في أحدهما بمقتضيات قانون الصحافة والقانون الجنائي بناء على شكايتين عاديتين تبنتهما النيابة العامة، (سبق للدفاع) بأن شدد على أن إثارتهم لموضوع رسالة رئيس مؤسسة النيابة العامة لوكلائه العامين ووكلاء الملك، انما الهدف منه هو ابطال المتابعة وحفظها، على اعتبار أن المذكرات الصادرة عن رئيس النيابة العامة ليس لها دور بيداغوجي وتوجيهي فحسب، بل هي تعليمات صادرة من سلطة رئاسية تعكس بعدا قانونيا وحقوقيا، له أهمية استثنائية غير معتادة تتمثل في تأطير سلطة الملائمة وتقييدها كلما تعلق الأمر بشكايات ضد الصحافة، مع توجيه المشتكين إلى ما يتيحه القانون من تقديم شكايات مباشرة إلى الجهة القضائية المختصة بشأن ما يتعرضون له من”سب أو قذف”، وذلك بدون حاجة لتحريك المتابعات من قبل النيابة العامة، تقول دورية رئيس مؤسسة النيابة العامة الصادرة بتاريخ 17 شتنبر 2019 عدد(33س/ر ن ع).

















