“قصر فاخر.. وسط زريبة”، هكذا عَلَق وما يزال كل زائر قاده فضوله للاطلاع على قصر العدالة بفاس، بعدما جرى مؤخرا مع بداية السنة القضائية الحالية(2023-2024)، ترحيل محكمتي الاستئناف والابتدائية من وسط المدينة إلى البناية ذات التصميم العمراني الضخم و الفاخر بمحاذاة المركب الرياضي بطريق صَفْرو، حيث يُنتظر بأن يحل وزير العدل عبد اللطيف وهبي لتدشين هذه المَعْلَمَة بعدما تنتهي بعض الأشغال الجارية فيها والتي تأخرت بشكل لافت عن موعدها، وذلك بموازاة مع اختلالات واكبت هذه البناية منذ وضع حجرها الأساسي.
وأنت تتجه نحو قصر العدالة لمحاكم فاس، تواجه إذا كنت من المرتفقين الجدد لهذا المرفق الحيوي، الصعاب في الوصول إليها، وذلك بسبب موقع هذا القصر وسط ركام من البنايات ذات الولوجيات الضيقة، حيث تحيط بها أزقة لا يتجاوز عرضها أربعة أمتار، فيما يخترقها شارعان غير رئيسيين، الأول متفرع عن طريق صفرو، يمر عبر البوابات الخلفية الثانوية للمركب الرياضي، يقودك نحو الباب الرئيسي للمحكمة الابتدائية، والذي بالكاد يتسع لتقابل سيارتين من الاتجاهين المعاكسين، بدون الحديث عن حالته حيث تكثر فيه الحفر بعدما تحول سمك طبقة الإسفلت التي تكسوه إلى ما يشبه منبسطا رقيقا مليء بالحفر والمطبات وكأنك تسلك طريقا قرويا ترابيا وسط فيلات وبنايات توحي لك بأنك في حي مهمش وليس حي راق .

وعلى الجانب الآخر المؤدي للباب الرئيسي لمحكمة الاستئناف، يجبر المرتفقون والقضاة وعموم موظفي هذه المحكمة، على عبور مسلك هو أقرب لملعب للحواجز منه لطريق قد تسلكه السيارات وباقي وسائل النقل التي يستعملها الوافدون على قصر العدالة بفاس، وهو ما جعل المتضررين من هذا الطريق يتساءلون عن سبب تغاضي الجهات المعنية عن الوضعية المزرية لهذا المسلك الترابي، والذي تغيب عنه جميع مقومات شارع رئيسي يقودك إلى قصر العدالة كمرفق حيوي بهذه المنطقة، حيث تسيطر على المكان مظاهر البداوة و العشوائية على مستوى هيكلة الأزقة والشوارع، مما حول البناية الفخمة لمحاكم فاس، إلى ما يشبه قصرا وسط زريبة غارقة في الفوضى و الأزبال المحيطة بها من كل جانب، وذلك بسبب بقايا الأطعمة والمشروبات و التي يتخلص منها المرتفقون خلال استهلاكهم لها بعين المكان بسبب بعده عن المحلات التجارية والمطاعم، وذلك على مدى الأوقات التي يقضونها بأمام أبواب قصر العدالة أو داخل مرافقه.

وفي مقابل الانتقادات القوية التي يوجهها المتضررون من حالة الطرق التي يسلكونها لبلوغ قصر العدالة، إلى السلطات والجهات المعنية وعلى رأسهم جماعة فاس ووالي الجهة سعيد ازنيبر ومصالحه، فإنهم يرمون باللوم على وزارة العدل والتي لم تحسن اختيار الوعاء العقاري المناسب لإحداث قصر للعدالة، تراعى فيه الولوجيات الفاسحة والواسعة، والتي من شأنها أن تساعد على انسيابية كبيرة في الدخول والخروج، مع مراعاة محطات الوقوف داخل وخارج المحكمة قادرة على استيعاب سيارات الموظفين والمرتفقين، بل إن حتى سيارات الأمن والدرك تواجه الصعاب في الولوج، وذلك بسبب ضيق الشارعين المحيطين بقصر العدالة و كذا “الزقاق” الذي يتوسط القصر وناديي القضاة والمحامين، إذ لا تتجاوز عرض هذه الزنقة أربعة أمتار، خصوصا أن السيارات التي تسلكه لا تحترم علامة منع المرور في اتجاه شارع المركب الرياضي هربا من الطريق الترابي للشارع الخلفي، وذلك عند مغادرة هذه السيارات للباب المخصص لدخول سيارات عدد من الموظفين أو سيارات الأمن التي تحضر معتقلي الجنايات والمحكمة الابتدائية وتدخل من منفذ واحد مخصص لها.
ومما يزيد الوضع تعقيدا، فإن عددا من المرتفقين والمحامين والقضاة، يلجؤون إلى ركن سياراتهم بهذا الزقاق الضيق، بسبب امتلاء كل المساحات المحيطة بقصر العدالة والتي تتحول أرجاؤه الخارجية كل يوم إلى ما يشبه موسما من مواسم الولاة الصالحين، كناية في حالة الفوضى والعشوائية الذي يخيم على المكان بسبب كثرة السيارات المركونة في كل مكان، وكذا تجمعات المرتفقين وهم يحملون معهم مختلف أنواع الطعام الذي يكفيهم طوال مقامهم اليومي بأبواب وفي جوار قصر العدالة.

اختلالات هيكلة المرافق حيال المرتفقين والموظفين
بموازاة مع عيوب محيط الموقع الذي أحدث فيه قصر العدالة الجديد بفاس، سبق لملف هذه البناية الفاخرة بأن قفز للواجهة قبل عملية”ترحيل”محكمتي الاستئناف والابتدائية، حيث احتج حينها المكتب المحلي للنقابة الديمقراطية للعدل بفاس والمنضوي تحت لواء”الفدرالية الديمقراطية للشغل” باعتبارها النقابة الأكثر تمثيلية لموظفي القطاع بفاس،(احتجوا) على ما اعتبروه آنذاك” تجاهلا من وزير العدل عبد اللطيف وهبي لمضامين الخطب الملكية الرامية لجعل القضاء والإدارة في خدمة المواطن، وتشديد جلالته على اعتبار المحاكم مرفقا عموميا يهدف خدمة حاجيات المرتفقين في إطار تحقيق المصلحة العامة للمغاربة طبقا لروح ومقتضيات القانون رقم 54.19 الصادر بتاريخ 11 فبراير 2020 بمثابة ميثاق المرافق العمومية”، فيما اتهم حينها النقابيون الغاضبون على طريقة إحداث قصر العدالة و هيكلته واختيار الوزارة لموقعه، (اتهموا) وزارة وهبي وباقي الجهات المعنية بالبناية، بخدمة مصالح سياسية وفئوية ضيقة على حساب موظفي العدل بفاس.
واشتكى حينها الموظفون من تسريع وثيرة الانتقال إلى قصر العدالة الجديد بفاس، في غياب ظروف العمل المناسبة، حيث اشهروا في وجه وزارة العدل، مطالب اعتبروها أساسية، همت إيجاد مواقف خاصة بسيارات مختلف الموارد البشرية المنتسبة لمرفق العدالة، وتوفير فضاءات تناول الوجبات، علاوة عن تجديد أسطول النقل الوظيفي المتهالك بما يستجيب لتزايد طلبات الاستفادة منه بحكم موقع القصر الجديد للعدالة الموجود على الحدود ما بين تراب بلدية فاس وجماعة “عين البيضا” بطريق صفرو .

“كيوسك”للاستقبال بدلا عن “مكتب للواجهة”
وأنت تتجول في مرافق محكمتي الاستئناف والابتدائية بفاس، ترصد بعينك المجردة جملة من الاختلالات تكاد تنطبق على المحكمتين، بخصوص هيكلة هذه المرافق خصوصا الحيوية منها والتي ترتبط ارتباطا وثيقا ومباشرا بالمرتفقين، ويتعلق الأمر”بمكتب الواجهة”والذي تركز عليه هيكلة كل محكمة ضمن النظام القضائي، حيث جرى تثبيت هذا المكتب على مستوى محكمة الاستئناف بوسط البناية، بمكان يبعد بكثير عن الباب الرئيسي، مما جعل المرتفقين يواجهون الصعاب في الوصول إليه والعثور عليه وسط زحمة الممرات والمكاتب المزروعة بداخلها.
ولتدارك هذه الهفوة، عمد المسؤولون عن نفس المحكمة إلى إحداث بناية مستديرة تشبه في هندستها “الكِشْك”، حيث أطلقوا عليه اسم “مكتب للاستقبال”، ليقوم مقام “مكتب الواجهة”، والذي جرى اخفاؤه في أعماق البناية بدلا من وضعه بمدخل المحكمة ليكون قريبا من المرتفقين بغرض توجيههم و الرد عن أسئلتهم الخاصة بمآل ملفاتهم الرائجة أمام هذه المحكمة، حيث أعيدت نفس الصورة على مستوى المحكمة الابتدائية والتي وقع مهندسوها في نفس الهفوة.
مكاتب ضيقة للتحقيق
خصص مهندسو قصر العدالة الجديد لقضاة التحقيق بجنيات فاس، مكاتب ضيقة، مكرسة بذلك نفس المعاناة التي كان القضاة يعانون منها بالبناية القديمة لمحكمة الاستئناف في شارع الحسن الثاني من حيث الضيق وعدم اتساع فضاء هذه المكاتب، خصوصا أن القاضي مُلْزَم بان يؤدي داخل هذا الفضاء الضيق ضمن قصر كبير للعدالة يفترض فيه أن يراعي المساحات المخصصة لمكاتب القضاة والموظفين، (القاضي مُلزَم) بأداء عمله الإداري اليومي، واستقبال المحامين والمتهمين والمشتكين والشهود، بنفس المكتب الضيق، فيما استفاد قضاة النيابة العامة من ستة مكاتب محسوبة على الفضاء المخصص للاستنطاق والتحقيق.

مصلحة كتابة الضبط بلا فضاء كاف للأرشيف
بخلاف الهوس الذي اشتهر به وزير العدل عبد اللطيف وهبي لدى جلوسه على كرسي الوزارة، منتقدا عدم إيلاء الوزراء الذين سبقوه لمعضلة أرشيف المحاكم، فيما سقط قصر العدالة بفاس على عهده في نفس الهفوة، إذ خصصت لأرشيف محكمة الاستئناف على الخصوص، فضاءا لا يستجيب لمتطلبات المحكمة، وهو ما دفع كتابة الضبط لدى رئاسة نفس المحكمة، تستعين بمقر المديرية الفرعية للقضاء بالبطحاء في المدينة العتيقة بفاس، فيما تبدو المحكمة الابتدائية في قصر العدالة الجديد، غير معنية بهذه الملاحظة بسبب توفرها على مكان للأرشيف تزيد سعته عن خمس مائة متر مربع.
وفي مقابل ذلك يعاني موظفو كتابة الضبط بجنايات فاس وجزء بالمحكمة الابتدائية، من مكاتب تنقصها التهوية الكافية، فيما لن يجد الموظفون الذين سيلتحقون بالمحكمتين خلال السنوات المقبلة، مكانا لجلوسهم، شأنهم في ذلك شان القضاة الذين يتوفرون حاليا على إثنين وأربعين مكتبا مخصصا لهم.
من جهة أخرى يشتكي عدد من الموظفين بالمحكمتين من بعد مكاتبهم عن مكاتب مسؤوليهم الإداريين المباشرين، حيث لم تراعي عملية الهيكلة هذا المعطى المهم، كما يقول الموظفون، وذلك حينما تمت هندسة مكاتب مسؤولي كتابة الضبط بالجناح المخصص لقضاة الرئاسة والنيابة العامة بمحكمة الاستئناف، وهو ما تسبب في بُعْد المسافة عن موظفي المصلحة، بخلاف كتابة الضبط لدى النيابة العامة والتي نجى مسؤولوها وموظفوها من هذا الخطأ في الهيكلة.

















