تتجه أنظار الدبلوماسية المغربية يوم الثلاثاء 10 نونبر 2026 إلى مقر الأمم المتحدة، حيث دعا رئيس الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة ،خليل الرحمن، إلى عقد جلسة رسمية لمناقشة استعمال حق النقض” الفيتو “داخل مجلس الأمن بشأن قضية الصحراء المغربية، وتأتي هذه الجلسة عقب تعثر هذا الأخير يوم 30 أكتوبر 2026 في اعتماد مشروع القرار الأمريكي بشأن مستقبل بعثة “المينورسو”، حيث انتهت ولايتها دون تجديدها، في تطور مؤسساتي غير مسبوق يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النقاش حول مستقبل حضور الأمم المتحدة في المنطقة.
هذا وتنعقد جلسة الجمعية العامة الثلاثاء المقبل، استنادا إلى القرار 262 / 76 الصادر سنة 2022، والذي يتيح عقد اجتماع رسمي للجمعية العامة خلال عشرة أيام عمل من استعمال أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن حق النقض،غير أن الجلسة لا تعني تلقائيا تفعيل قرار “الاتحاد من أجل السلام” رقم 377 لسنة 1950، ولا تعني أن الجمعية العامة ستتخذ قرارا يغير الوضع القانوني للقضية، بل تمنح الدول الأعضاء، البالغ عددهم 193 دولة، فرصة لمناقشة تداعيات الفيتو والتعبير عن مواقفها وتقديم توصيات.وهذه ليست أول مرة يستعمل فيها الفيتو في حق بعثات أممية، حيث استخدم سنة 1999 من طرف الصين ضد البعثة الأممية في مقدونيا، وسنة 2009 من طرف روسيا ضد بعثة مراقبي الأمم المتحدة في جورجيا، وسنة 2012 من طرف روسيا والصين ضد البعثة الأممية في سوريا.
فالمغرب وفق التطورات المتسارعة لقضيته الوطنية، بات مدعوا إلى استثمار هذه المحطة لفتح نقاش قانوني وتاريخي ومؤسساتي حول الأسس التي يستند إليه استمرار إدراج قضية الصحراء المغربية ضمن مسار تصفية الاستعمار، وحول مدى ملائمة ديمومة معالجتها، بنفس الأسلوب، رغم التحولات التي عرفها الملف على امتداد عدة عقود، حيث تعود للواجهة أهم المحطات في مسار القضية وفق التالي:
1) المبادرة المغربية لسنة 1963الذاكرة التارخية التي ينبغي أن تستعيد مكانتها في النقاش الأمم :
إن استحضار التاريخ يظل ضروريا لفهم هذا المسار. ففي سنة 1963 أثار المغرب قضية الصحراء المغربية التي كانت خاضعة للاستعمار والإدارة الإسبانية أمام اللجنة الرابعة للأمم المتحدة في إطار استكمال وحدته الترابية من طرف السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة أحمد الطيبي بنهيمة، حيث طالب بإدراج الصحراء ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي في إطار مسار تصفية الاستعمار من الوجود الإسباني.ويكتسي هذا المعطي أهمية تاريخية ودبلوماسية، باعتباره جزءا من المسار الذي ينبغي استحضاره عند إعادة تقييم الإطار الأممي الذي عولجت ضمنه قضيتنا الوطنية. فالتاريخ ليس مجرد ذاكرة تُستحضر عند الحاجة، بل هو عنصر أساسي في بناء المرافعة القانونية والدبلوماسية.
2) الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية ،محطة لا يجوز اختزالها أو اجتزاؤها:
يشكل الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بتاريخ 16 أكتوبر 1975 إحدى أهم المحطات في تاريخ القضية الوطنية، بما تضمنه من تأكيد للروابط التاريخية والقانونية بين المغرب وصحراءه. فقد خلصت المحكمة إلى وجود روابط قانونية للبيعة بين سلطان المغرب والقبائل الصحراوية.وقد اكتست المرافعات المغربية أمام المحكمة أهمية خاصة، بالنظر إلى طبيعة الفريق القانوني الذي استعان به المغرب، والذي ضم نخبة من الأساتذة والخبراء القانونيين المغاربة والفرنسيين منهم ثلاثة خبراء فرنسيين،و من حسن الصدف أن اثنين منهم كانوا أستاذة لي بشعبة القانون المقارن، الشعبة الشريفة الذي يرجع الفضل في خلقها إلى ولي العهد آنذاك صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وهما الأستاذ جورج فيدلGeorges videl عميد فخري لكلية الحقوق بباريس. والأستاذ روني جان دوبويRené-Jean Dupuy أستاذ بكلية الحقوق بنيس وعضو معهد القانون الدولي إضافة إلى الأستاذ بول إيزوار Paul Isoart أستاذ بكلية الحقوق بنيس.أما الفريق المغربي فقد ضم ثلاثة أسماء بارزة: الأستاذ إدريس السلاوي الذي شغل منصب السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، ومجيد بن خلدون الذي شغل منصب الوكيل العام لدى محكمة النقض، ومحمد بنونة أستاذ بكلية الحقوق بالرباط والذي أصبح لاحقا سفيرا ممثلا دائما للمغرب لدى الأمم المتحدة وقاضيا بمحكمة العدل الدولية.كما اختار المغرب القاضي الفونس باري Alphonse Bariمن ساحل العاج لشغل مهمة قاض خاص في القضية وهي صفة تختلف قانونيا عن صفة المحامي أو عضو فريق المرافعة المغربية حيث شارك في تشكيل هيئة المحكمة وفق القواعد المنظمة لها.
إن استحضار هذه التفاصيل لا يرمي إلى إعادة سرد تاريخ المرافعات فحسب، إنما إلى إبراز أن المغرب تعامل مع القضية منذ مراحلها الأولى باعتبارها قضية تستوجب تعبئة قانونية دولية رفيعة المستوى. ومن هنا فإن العودة إلى الرأي الاستشاري لسنة 1975 ، وقراءته قراءة متكاملة، ينبغي أن تكون جزءا أساسيا من أي مبادرة مغربية لإعادة تقييم الإطار الأممي للقضية.
4) القرار 2797 لسنة 2025 ،التحول في مقاربة مجلس الأمن:
يمثل قرار مجلس الأمن رقم 2797 محطة مهمة في تطور المسار السياسي للقضية الوطنية، حيث تبنى دعم المفاوضات التي تجرى على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي، مع دعوة الأطراف إلى الانخراط في هذه المفاوضات دون شروط مسبقة بهدف التوصل إلى حل سياسي.ومن ثم فإن الدبلوماسية المغربية مطالبة باستحضار هذا التطور في اجتماع الجمعية العامة وإبراز ما يحمله من تحول في طبيعة النقاش داخل مجلس الأمن، وذلك باستحضار مع التركيز على التالي:
1) انتهاء ولاية المينورسو، تحول مؤسساتي يستوجب قراءة جديدة:
يشكل انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “المينورسو”تطورا مؤسساتيا مهما في مسار القضية ، إذ تبرز أهميته في تحويله من مجرد واقعة إجرائية إلى مناسبة لإعادة تقييم الإطار المؤسساتي الذي ظلت تعالج من خلاله قضيتنا الوطنية، وطرح عدة أسئلة سياسية ومؤسساتية حول مستقبل الالية الأممة المعتمدة منذ عقود، وحول ضرورة مراجعة المقاربة التي ظلت تؤطر تدبير هذا الملف.
إن تلاقي هذه المحطات الأربعة يفرض على مملكتنا الشريفة استثمار اجتماع 10نونبر لطرح نقاش قانوني ومؤسساتي مسؤول يرتكز على المطالب التالية:
* الدعوة إلى إعادة تقييم الأساس التاريخي والقانوني لاستمرار إدراج قضيتنا الوطنية ضمن إطار تصفية الاستعمار في ضوء التطورات التي عرفها الملف منذ سنة 1963.
*فتح نقاش حول مدى ملاءمة استمرار إدراج القضية ضمن أعمال اللجنة الرابعة للجمعية العامة، بالنظر إلى التحولات السياسية والقانونية التي طرأت عليها.
* إعادة النظر في استمرار إدراج الأقاليم الجنوبية للمملكة ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، مع المطالبة بمراجعة الإطار المؤسساتي الذي يحكم هذا الإدراج، وفق المساطر الأممية المعمول بها، علما أن مبدأ عاما مُتَعَارَفٌ عليه يقضي بإمكانية سحب طلب الادراج مِنْ حق مَنْ أثاره في البداية.
* استحضار المبادرة المغربية ومختلف المحطات التاريخية والقانونية التي تؤطر موقف المغرب، وفي مقدمتها رأي محكمة العدل الدولية لسنة 1975، إلى جانب التطورات التي عرفها مسار مجلس الأمن.
* البناء والتركيز على القرار 2797 وما تضمنه من جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات، والدعوة إلى الانتقال من منطق تدبير نزاع مفتعل طال أمده إلى منطق البحث عن حل سياسي واقعي ودائم.
إن جلسة 10نونبر لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد تبادل للمواقف بشأن استعمال “الفيتو”، ولا إلى مناسبة لإعادة إنتاج الخطابات ذاتها، بل إنها فرصة لمملكتنا كي تطرح بثقة ووضوح، سؤال مراجعة المسار الأممي برمته ، وأن تدعوإلى معالجة التطورات الجديدة بروح المسؤولية والواقعية، مع احترام ميثاق الأمم المتحدة.
لقد أثبتت الدبلوماسية المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، أن الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة يقوم على وضوح الموقف، وتراكم المكاسب، وضمن قراءة التحولات الدولية. واليوم ،تقتضي المرحلة الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة، ومن الاكتفاء بمناقشة القرارات إلى المساهمة في إعادة صياغة الإطار الذي تناقش ضمنه القضية.
فالثابت لدى الملاحظين والمتتبعين لهذا الملف الذي عمر طويلا داخل دهاليز المنتظم الدولي، هو أن الصحراء المغربية ليست مجرد ملف يدرج على جدول أعمال الأمم المتحدة، إنها قضية مغربية وطنية تتطلب رؤية استراتيجية، وترافعا قانونيا رصينا، ودبلوماسية مبادرة، خصوصا أن جلسة الثلاثاء المقبل 10نونبر الجاري، ستكون محطة مناسبة لطرح مراجعة عميقة للمسار الأممي، بما ينسجم مع التحولات الجديدة، ويفتح أفقا لحل سياسي نهائي وعادل ودائم .




















