لم يكن ما جرى بجلسة التصويت داخل مجلس الأمن مساء يوم الجمعة الأخير 30 أكتوبر 2026، مجرد تعثر في مسار البحث عن تسوية للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، ولم يكن الفيتو الروسي الدولي الذي عرقل وأسقط مشروع القرار الأمريكي نهاية المطاف أو انتصاراً لمنطق تعطيل الحلول بقدر ما كان لحظة كاشفة عن طبيعة التجاذبات الدولية، وعن محدودية المقاربة التي ظلت لسنوات طويلة تحصر القضية الوطنية في دهاليزالمفاوضات الأممية وحسابات القوى الكبرى. لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن نتيجة التصويت، بل في سرعة وقوة الرد المغربي، فبعد أقل من ساعة على انتهاء أشغال مجلس الأمن، صدر بلاغ للديوان الملكي حاملاً رسائل سياسية واستراتيجية بالغة الدلالة، عكس من خلالها المغرب يقظة مؤسساته، وقوة قراره السيادي، واستعداده للانتقال إلى مرحلة جديدة في تدبير واحدة من أهم قضاياه الوطنية.
المينورسو.. نهاية وظيفية أم نهاية مرحلة تاريخية؟
بالعودة إلى ليلة التصويت الجمعة الأخير بمجلس الأمن في نيورورك، بدأ واضحاً أن مملكتنا الشريفة لم تنتظر نتيجة التصويت حتى تحدد موقفها، ولم تسمح لفيتو روسيا، الدولة دائمة العضوية بأن يُرهن خياراتها أويفرض عليها الاستمرار في المسار نفسه،بل تعاملت مع التطور الدولي باعتباره مناسبة لإعلان تحول عميق في فلسفة التعاطي مع الملف، وتحويل “التعثر”إلى فرصة، والاعتراض إلى منطلق لإعادة ترتيب الأولويات، وهنا تكمن القيمة السياسية الكبرى لبلاغ الديوان الملكي.
إن العبارة المحورية التي تضمنها بلاغ الديوان الملكي ،والمتعلقة بالانتقال من مجرد منطق التدبير إلى مقاربة تستهدف التحول العميق في المحددات، ليس مجرد صياغة دبلوماسية عابرة ، بل تحمل في طياتها اعلانا عن نهاية مرحلة وبداية أخرى.
فطيلة أكثر من خمسة وثلاثين سنة، ظلت قضية الصحراء المغربية حاضرة في اجتماعات مجلس الأمن، وتقارير الأمين العام للأمم المتحدة، والإحاطات الدورية، ومداولات المبعوثين الأممين ، بينما استمرت آليات الوساطة في إدارة النزاع دون أن تنجح في إنهائه.
لقد أصبح الملف مع مرور السنوات، محكوما بمنطق الاستمرارية الإجرائية المؤسساتية، حيث تتجدد الاجتماعات والبعثات والتقارير، فيما تستمر القضية في استهلاك الزمن الديبلوماسي والسياسي للمنطقة. أما اليوم الرسالة المغربية تبدو واضحة ومختلفة تماما: لا يمكن أن يستمر تدبير النزاع المفتعل الى ما لا نهاية، ولا يمكن أن تتحول آليات الوساطة إلى غاية مستقلة عن الهدف الذي أنشئت من أجله.
المقاربة المغربية الجديدة في تدبير ملف الصحراء المغربية:
إن المغرب وفق هذه المقاربة الجديدة لا يريد فقط تغيير طريقة إدارة الملف، بل يسعى الى تغيير محدداته السياسية والديبلوماسية، مما يجعل القرار الوطني المستقل هو المرجعية الأساسية في الدفاع عن مصالحه الاستراتيجية ووحدته الترابية.
وهنا نطرح التساؤل حول المينورسو هل هي نهاية وظيفية أم نهاية مرحلة تاريخية؟ فهي تأسست بصفتها بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء، بموجب قرار مجلس الأمن 690 بتاريخ 29 أبريل 1991، في سياق خطة التسوية الأممية، ويقع مقرها الرئيسي بمدينة العيون، ولها مكتب اتصال بتندوف، كما توزعت بنيتها الميدانية على أحد عشرة موقعا ومركزا من بينها مواقع عسكرية غرب الجدار الأمني وهي المحبس، السمارة ،أوسرد وأم دريكة، فيما تشمل المواقع الواقعة شرقه ر بئر لحلو، تيفاريتي، المحيرس، مجيك وأغوانيت. وقد أنشئت هذه البعثة في سياق دولي وسياسي محدد عفا عليه الزمن، بهدف تنفيذ المهام المرتبطة بخطة التسوية ومراقبة إطلاق النار، غير أن استمرارها لأكثر من ثلاثة عقود يطرح سؤالا جوهريا حول مدى نجاعتها وقدرتها على تحقيق الغاية التي أنشئت من أجلها.
فحين تتحول آلية أُنشئت لتيسير التسوية الى ألة تستمر معها حالة الانتظار، وحين يصبح تجديد المهمة اجراءا دوريا دون أفق واضح لإنهاء النزاع، فإن مراجعة دورها وفعاليتها تصبح أمرا مطروحا بقوة. ومن هذا المنطلق يكتسب عدم تجديد ولاية المينورسو دلالة سياسية خاصة. فهو لا يمثل مجرد إنهاء تقني لمهمة أممية، بل يشكل مدخلا لاغلاق صفحة تاريخية امتدت خمسة وثلاثين سنة، وقد أكد بلاغ الديوان الملكي أن عدم تجديد الولاية يعني أن وجود البعثة في أقاليمنا الجنوبية، بأفرادها وآلياتها ومعداتها ورموزها، من المنتظر أن ينتهي خلال الأيام القادمة. وهنا ينبغي التمييز بين انتهاء الولاية الأممية وبين اكتمال جميع الإجراءات الميدانية والسياسية المرتبطة بانهاء وجود البعثة، فالأول أصبح واقعا بعد فشل تجديد المهمة ،أما الثاني فتترتب عليه إجراءات لاحقة.
فالفيتو الروسي لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة التنافس داخل مجلس الأمن ولا عن الحسابات السياسة التي تحكم مواقف القوى الكبرى. فقد أسقطت روسيا مشروع القرار الأمريكي رغم حصوله على أحد عشر صوتا مؤيدا، بسبب استعمال حق النقض ، حين لم يتمكن المشروع الروسي البديل من الحصول على الأصوات التسعة اللازمة لاعتماده، بعد أن حصل على ثلاثة أصوات فقط. وهكذا انتهت جلسة مجلس الأمن دون اعتماد أي من المشروعين، ودون تجديد ولاية المينورسو، لكن الديبلوماسية المغربية أظهرت أنها لا تقيس نجاحها فقط بعدد الأصوات داخل مجلس الأمن، ولا تجعل من نتائج التصويت المحدد الوحيد لاتجاه لسياساتها.
لقد استطاعت المملكة المغربية أن تفصل بين تعثر مشروع القرار الأمريكي وبين ثوابتها الوطنية، وأن تحول لحظة الاعتراض الدولي إلى فرصة لاعلان موقف سياسي مستقل. وهذا هو جوهر التحول الاستراتيجي:ألا يبقى المغرب رهينة لتقلبات التصويت،وألا يسمح لأي طرف دولي بأن يجعل من حق النقض أداة لتعليق اختياراته الوطنية أو إعادة انتاج الوضع القائم. فالمغرب لم يتعامل مع الفيتوباعتباره نهاية الطريق ،بل باعتباره لحظة لاعادة تقييم الطريق نفسه.
ولعل الرسالة الأكثر أهمية في بلاغ الديوان الملكي هي الدعوة الى وضع حد لاستمرار احالة الملف على مجلس الأمن أو العمل على انهاء بقائه ضمن جدول أعماله. وهذه ليست مسألة إجرائية بسيطة، بل تعكس توجها استراتيجيا يرمي إلى تجاوز مرحلة ظلت فيها القضية الوطنية خاضعة بصورة مستمرة لايقاع الاجتماعات والتقارير والإحاطات والمداولات الأممية . فالتدويل حين يفقد قدرته على إيجاد الحل، قد يتحول إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج الأزمة بدلا من إنهائها. ومن هنا فان التوجه المغربي الجديد يمكن قراءته باعتباره سعيا إلى استعادة المبادرة السياسية وإنهاء حالة الارتهان المستمر للأجندة الاممية وإعادة وضع القضية الوطنية في إطار مقاربة تحترم السيادة الوطنية وتستند إلى المحددات التي يعتبرها المغرب أساسيةلأي حل.
رسالة المغرب للعالم:
رسالة واضحة تلك التي حرص المغرب عبر البلاغ الملكي توجيهها للعالم وإلى كا من يهمه الأمر، مفادها أن الرباط لا ترفض التعاون الدولي، ولا يمكن للمغرب التنكر لالتزاماته الأممية، لكنه في مقابل ذلك يرفض أن تتحول آليات الوساطة إلى أدوات لتجميد قضاياه المصيرية أو إعاقة اختياراته الاستراتيجية، فالفرق كبير بين الانخراط في النظام الدولي من موقع الشراكة، وبين الارتهان له من موقع الانتظار، وكما يقول المثل المغربي الشعبي المأثور : “كَبَّرْهَا تَصْغَارْ”.



















