ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُحقق الانتصارات الدبلوماسية في لحظة عابرة، وإنما هي ثمرة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، ونَفَسٍ سياسي طويل، وقيادة تعرف متى تتحرك، وكيف تبني الشراكات ،وأين تضع مصلحة الوطن، حيث يبرز من هذا المنطلق، يبرز مشروع القرار الأمريكي المتداول بشأن الصحراء المغربية، المرتقب التصويت عليه في 31 أكتوبر 2026، باعتباره محطة تستحق التأمل في مسار قضية أمة ظلت في صلب الاهتمام الدبلوماسي لمملكتنا الشريفة.
إنها مناسبة لاستحضار الدور المحوري لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، والذي جعل الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة أولوية استراتيجية ثابتة، وقاد دبلوماسية هادئة ورصينة، تجمع بين وضوح الموقف ومرونة التحرك، وبين التمسك بالحقوق الوطنية وبناء علاقات دولية قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
فبفضل الرؤية الملكية السديدة، أصبح مقترح الحكم الذاتي المغربي محوراً أساسياً في النقاش الدولي حول التسوية السياسية للنزاع المفتعل، فيما تزايدت المواقف الدولية الداعمة للمبادرة المغربية بدرجات وصيغ مختلفة، حيث احتفظ مشروع القرار الأمريكي بصيغته المتداولة، بجعل المقترح المغربي الأساس الوحيد للمفاوضات، مما سيشكل تطوراً سياسياً مهماً في مسار الملف، ذلك أن مغزى هذا التطور لا يكمن في الكلمات وحدها، بل في المسار الذي أوصل إليها: مغرب لا يساوم على ثوابته، ولا يترك مستقبله رهينة الانتظار، بل يعمل بقيادة ملكية حكيمة على ترسيخ موقعه شريكاً موثوقاً وفاعلاً في محيطه الإقليمي والدولي.
و يبقى الأهم هو أن المشروع المتداول يدعو إلى توسيع دائرة التشاور لتشمل مكونات صحراوية متعددة، بدلاً من حصر الاستماع في الأطراف المشاركة في المفاوضات،كما يتطرق إلى استكمال تسجيل المحتجزين في مخيمات تندوف . ويشير كذلك إلى إمكان النظر في تدابير إضافية إذا لم تنخرط الأطراف بصورة بناءة في المسار السياسي.وهي مقتضيات قد تعزز جدية العملية السياسية، مع بقاء أثرها النهائية رهينة الصيغة التي سيعتمدها مجلس الأمن.
وهنا تتجلى أهمية الحكمة الاستراتيجية، فالمكسب الدبلوماسي لا يُقاس بالتصريحات وحدها، بل بقدرته على تحويل المواقف الدولية إلى تقدم ملموس نحو حل سياسي واقعي ومستدام، يحفظ سيادة المغرب ووحدته الترابية، ويفتح أمام الصحراويين آفاق الاستقرار والتنمية والعيش الكريم.
لقد أثبتت التجربة أن قوة الدبلوماسية المغربية لا تقوم على الضجيج، بل على وضوح الرؤية وتراكم الشراكات، والثبات على الموقف وحسن قراءة التحولات الدولية. وفي قلب هذا المسار تقف القيادة الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أيده الله، بما تمثله من استمرارية استراتيجية في الدفاع عن المصالح العليا للمملكة وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي.
إن الصحراء المغربية ليست مجرد ملف تفاوضي، إنها قضية سيادة وذاكرة وطنية ووجدان ومستقبل أجيال. ومن طنجة إلى الكويرة يظل الإجماع الوطني على الوحدة الترابية ركيزة أساسية، فيما تظل الدبلوماسية الملكية عنواناً لمسار طويل من العمل المتواصل، هدفه تثبيت الحقوق الوطنية وتحويل الدعم الدولي إلى تسوية نهائية عادلة ومستدامة.
قد لا تصنع الدبلوماسية الهادئة العناوين الصاخبة كل يوم، لكنها حين تتراكم نتائجها تتحدث لغة المصالح والوقائع، وهو ما أكده مؤخرا التصويت النهائي لمضامين المشروع المتداول بالمحفل الأممي، وهو ما حول قضية الصحراء المغربية إلى محطة جديدة تستحق التقييم في سياق هذا المسار، حيث لا بديل عن مواصلة العمل وطريق خطة قوة وضوح الرؤية وتراكم الشراكات لبلوغ مزيد من المكاسب الدولية.

![]()
Ray ID: 8f3a2c1b9d4e5f6a · Performance & security by Cloudflare
site-verification-ok



















