يبدو أن أعطاب أحزابنا السياسية باتت كثيرة ومتنوعة مع تقدم مشاورها على المشهد السياسي والحزبي، فالأزمة لم تعد تقتصر على ظاهرة خطاباتها وبرامجها ومرافعاتها حول المناصفة والتشبيب، بل امتدت إلى أشياء أكثر عمقا، ومنها العجز في التقاط الإشارات الملكية حين تتحول من خطابات وشعارات إلى ممارسة.
فقد أظهرت مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة أمثلة صارخة عن ذلك، ذلك أنه وبمجرد تعيين الملك لأول امرأة على رأس الحكومة المغربية في تاريخ البلاد؛ حتى وجدت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري على رأس طاولة المشاورات، وهي تستقبل وفود الأحزاب السياسية رجالية خالصة، خالية من النساء مع استثناءات قليلة تعد على رؤوس الأصابع، والتي لم تتجاوز حالتين اثنتين همت حزبا التقدم والاشتراكية والحركة الديمقراطية الاجتماعية التي تداركت الأمر خلال الجولة الثانية من المشاورات، وحرصت على احضار امرأة ضمن وفدها الحزبي.
الأحزاب وإشكالية التقاط الإشارات الملكية
الإشارة الملكية بعد حسم نتائج المشهد الانتخابي لاقتراع 23 شتنبر 2026، لم تبدأ مع تعيين امرأة رئيسة للحكومة، بل سبقتها إشارات عديدة في ذات السياق منذ سنوات، حيث دعا جلالة الملك الأحزاب بشكل صريح إلى إفساح المجال للطاقات الشابة والنسوية بما يسمح ببروز نخب جديدة مؤهلة لتحمل المسؤولية.
وفي خطاب العرش لسنة 2022، شدد جلالته مجددا على المشاركة الكاملة للمرأة المغربية في كل المجالات، في انسجام مع دستور 2011 الذي كرس المساواة وجعل المناصفة هدفا تسعى الدولة إلى تحقيقه، بل إن الإشارة الملكية حيال المرأة لم تعد مجرد خطاب، فقد جاء تعيين المنصوري على رأس الحكومة بمثابة الإشارة الفعلية التي تحتاجها الأحزاب في مغرب ما بعد انتخابات 2026 .
حين يفرض القانون حضور المرأة
المفارقة هما هي أن بعض الأحزاب تتحدث باستمرار عن مكانة المرأة، وعن التشبيب وتجديد النخب، وعن ضرورة فتح المجال أمام الكفاءات الجديدة، لكن تركيبة وفودها في واحدة من أهم لحظات التفاوض السياسي لم تعكس هذا الخطاب، وبذلك يصبح السؤال مشروعا: هل ما تزال بعض الأحزاب غير قادرة على استيعاب وجود المرأة في صلب القرار إلا عندما يأتي الدفع من أعلى سلطة في البلاد أو عبر الإلزام بالقوانين والأوامر؟
فالجزء الأكبر من الحضور النسائي الذي أفرزته الانتخابات التشريعية الأخيرة جاء عبر الدوائر الجهوية المخصصة للنساء بقوة القانون، أما على صعيد اللوائح المحلية كما تابع الجميع تشريعيات 2026، فإن الأحزاب السياسية كانت لها مساحة أوسع في اختيار من تمنحه التزكية وتضعه في المواقع القابلة للفوز أغلبهم من الذكور، وفي مقابل ذلك الحضور النسائي محتشما جدا ومخجلا، ولا يكاد في عدد من الأحزاب الكبرى يمثل إلا نسبة هامشية قياسا بحجم حضور الرجال.
من هنا يظهر بوضوح الفارق بين مناصفة يصنعها القانون، ومناصفة تصنعها القناعة السياسية، فحين يفرض القانون حضور النساء، تتحقق الغاية، أما حين تصبح للأحزاب حرية أوسع في الاختيار، فإن الأرقام تكشف سريعا حدود خطاب المناصفة، والأمر نفسه يطرح بالنسبة إلى الشباب، والذين سجلوا تواجدا محدودا في لوائح الأحزاب مقارنة مع حجم الخطاب الحزبي المتكرر حول التشبيب وتجديد النخب.
فالتعاطي المختل للأحزاب السياسية مع حضور النساء والشباب يضعهم بعيدون عن الشعارات، وكأن لسان الهم يقول : «نعم للمرأة والشباب لتأثيث المشهد، ونعم للنساء خضوعا لما يفرضه القانون، و لكن لا للنساء والشباب عندما تبدأ النقاشات الجدية، والقرارات الحساسة، وطاولات التفاوض حول السلطة والمسؤولية”، فهذه الأسطوانة المشروخة تظهر الفرق الكبير بين الشعارات والواقع الفعلي، على اعتبار أن الاختبار الحقيقي للمناصفة ليس أن تقدم الأحزاب نساء في فضاءات خصصها لهن القانون أصلا، كما أن التشبيب لا يقاس بعدد الشباب الذين يظهرون في اللوائح والصور والحملات، ليبقى الاختبار الحقيقي المحرج لعدد من أحزابنا السياسية هو عندما تكون مكاتبهم السياسية أمام اختيار من هم أهل للتزكية بحكم المواقع القابلة للفوز؟ وهنا تحديدا تسقط الشعارات وتظهر الثقافة السياسية الحقيقية للأحزاب.
هل تحولت الكوطا إلى آلية للتأثيث؟
إن النقاش حول الكوطا النسائية نفسها يحتاج إلى قدر أكبر من الجرأة؛ لأن الهدف منها لا ينبغي أن يكون مجرد استكمال الأرقام أو تأثيث المؤسسات، ولا أن تتحول إلى مجال لإعادة إنتاج منطق القرابة، البنوة والأخوة أو الولاء أو القرب من دوائر النفوذ الحزبي على حساب الكفاءة والاستحقاق كما شهدنا في انتخابات 23 شتنبر 2021.
فالمناصفة الحقيقية تبدأ حين لا تحتاج المرأة إلى نص قانوني أو “كوطا” ليضمن وجودها داخل الغرفة، والتشبيب الحقيقي يبدأ حين يصبح الشاب جزءا طبيعيا من صناعة القرار، لا مجرد عنوان انتخابي موسمي.
فإذا كانت المؤسسة الملكية قد بعثت، على مدى سنوات، بإشارات واضحة حول المرأة والشباب والكفاءة وتجديد النخب، ثم جسدت واحدة من أقواها بوضع امرأة على رأس الحكومة، بينما تزال بعض الأحزاب ترسل إلى جلسات المشاورات الحكومية وفودا رجالية مغلق، فربما علينا أن نعترف بأن الأحزاب عاجزة عن التقاط الإشارات الملكية بالسرعة المطلوبة، وهو ما يجسده العطل الحاصل في أجهزة الاستقبال الحزبي والتي يبدو أنها شاخت وهرمت وباتت تحتاج إلى “بطاريات” شابة وقوية.
















