الانتخابات ليست مجرد محطة إجرائية تنتهي بإغلاق صناديق الاقتراع وإعلان النتائج، وإنما هي لحظة مؤسساتية تتجسد فيها إرادة المواطنين في اختيار ممثليهم، وتبدأ معها مرحلة جديدة عنوانها المسؤولية والتمثيل والمساءلة والحصيلة.
وخلال الحملة الانتخابية، نزل المرشحون إلى الميدان، وتنقلوا بين الأحياء والدواوير والأسواق والفضاءات العمومية، والتقوا بالمواطنين وجهاً لوجه. تجولوا بيتاً ببيت، وشارعاً بشارع، واستمعوا إلى شكايات الناس وانتظاراتهم، وعاينوا عن قرب جزءاً من الواقع الاجتماعي الذي يعيشه المواطن المغربي.
المنظور القانوني والسياسي والسوسيولوجي :
وهذه المعاينة الميدانية تفرض، بعد انتهاء الانتخابات، سؤالاً أساسياً حول العلاقة بين ما شاهده المرشح خلال الحملة الانتخابية وما سيفعله بعد حصوله على الصفة بالقبة، ذلك أنه من الصعب أن تبقى معاناة المواطن مجرد مشاهد انتخابية عابرة، بعدما أصبحت بالنسبة إلى كثير من المرشحين تجربة ميدانية مباشرة. فالذي طرق أبواب المواطنين، ودخل أحياءهم، واستمع إلى مطالبهم، وشاهد أوضاعهم، أصبح يمتلك معرفة أكبر بالاختلالات والانتظارات التي تحتاج إلى معالجة.
ومن المنظور السوسيولوجي، تكتسب هذه اللقاءات أهمية خاصة، لأنها تضع الفاعل السياسي أمام المجتمع كما هو في واقعه اليومي، بعيداً عن التقارير المجردة والأرقام وحدها. فالحديث مع الأسر، والاحتكاك بالشباب، والاستماع إلى النساء، والوقوف على أوضاع الأحياء والدواوير، يكشف مستويات متعددة من الحاجات الاجتماعية والاقتصادية والمجالية.
أما من المنظور السياسي، فإن الحملة الانتخابية تمثل مرحلة للتواصل وطلب ثقة الناخبين، لكن ما بعدها يمثل مرحلة تحويل تلك الثقة إلى فعل مؤسساتي. وهنا تنتقل المسؤولية من مستوى الخطاب إلى مستوى القرار، ومن تقديم الوعود إلى ترتيب الأولويات وتنفيذ البرامج في حدود الاختصاصات والإمكانات والقواعد القانونية.ومن المنظور القانوني، فإن الوصول إلى مؤسسة منتخبة يعني ممارسة اختصاصات محددة ومسؤوليات مؤطرة بالقانون، وليس امتلاك سلطة مطلقة. لذلك فإن المواطن من حقه أن يتابع أداء ممثليه، وأن يسأل عن البرامج والقرارات والحصيلة، في إطار الآليات التي تتيحها المؤسسات والقواعد الديمقراطية.
لقد شاهد المسؤولون خلال هذه الحملة الانتخابية وجهاً واسعاً من المجتمع المغربي: أحياءً تحتاج إلى التأهيل، ومواطنين يبحثون عن خدمات عمومية أكثر جودة، وشباباً يحملون انتظارات مرتبطة بالمستقبل، وأسرًا تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية مختلفة.
ولهذا، فإن انتهاء الحملة لا ينبغي أن يعني انتهاء ذلك التواصل الميداني، لأن المواطن الذي فتح بابه للمرشح خلال الحملة، واستقبله في حيه وشارعه وبيته، ينتظر أن يستمر هذا القرب بعد الانتخابات، ولكن هذه المرة في إطار مؤسساتي ومسؤول.
هنا تحديداً تبدأ المرحلة الأصعب: مرحلة تحويل المعرفة الميدانية إلى سياسات وقرارات وبرامج، وتحويل الثقة الانتخابية إلى مسؤولية مؤسساتية.
فالشرعية الانتخابية تُكتسب من صناديق الاقتراع، أما الثقة المؤسساتية فتُبنى من خلال الأداء، والإنصات، والشفافية، والقدرة على تفسير القرارات، وتقديم الحصيلة أمام المواطنين، فقد انتهت الحملة الانتخابية، لكن الصور التي شاهدها المرشحون في الشوارع والأحياء والدواوير لم تنتهِ، وكل حامل لصفة نائب برلماني بعد اقتراع 23 شتنبر يكون قد عاش تلك التفاصيل، واستمع إلى المواطنين، وعاين أوضاعهم، و أصبح أمام مسؤولية مضاعفة: عليه أن يتذكر بعد الانتخابات ما رآه قبلها.
الصوت الانتخابي يُلازم الفائز:
الثابت في المخيلة الفردية والجماعية للناخبين، هو أن المواطن لا يمنح صوته فقط لشخص أو لحزب، وإنما قدم جزءاً من ثقته لمن اعتقد أنه قادر على تمثيله والدفاع عن مصالحه داخل المؤسسات، ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد انتهاء الانتخابات ليس فقط: من فاز؟ بل: ماذا سيفعل من فاز بكل ما سمعه وشاهده ولمسه خلال حملته الانتخابية؟
فالانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، أما حكاية المسؤولية فتبدأ عندما يعود المسؤول إلى مكتبه، ويتذكر الشارع الذي زاره، والبيت الذي دخله، والمواطن الذي استمع إليه، والمطلب الذي وعد بمتابعته، وكأن لسان حال من صوتوا له يهمس في آذان الفائزين بالمقاعد بقبة مجلس النواب، بقولهم: انتهت الانتخابات… وبدأ الامتحان الحقيقي للمسؤولية.
















