ما تزال تداعيات أحداث يوم الهروب الجماعي نحو سبتة الثغر المحتل من قبل إسبانيا، والذي عاشته هذه الأيام الأخيرة مدينة الفنيدق وضواحيها، تتواصل وهي تُقدم كل يوم العشرات من قصص “الهاربين” من الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب كما يقولون، وذلك في جولة ثانية من هذا “العبور”برائحة الموات، بعدما عاشت نفس المنطقة صيف 2024 نفس المشاهد، عناوينها البارزة لجوء المئات من الشباب من مختلف الأعمار والجنس، إلى ركوب مغامرة الوصول إلى سبتة المحتلة سباحة، وإطلاق الواصلين لابتسامات النجاة من واقع اجتماعي واقتصادي بات لا يطاق.
ففي الوقت الذي كان فيه السياسيون وأتباعهم معية شناقة الانتخابات، يصولون ويجولون بجميع أنحاء المغرب العميق، بحثا عن أصوات تنفعهم في الظفر بمعركة حكومة المونديال، اختار المئات من الشباب والأسر التي دمرها غلاء المعيشة والبطالة والصعاب في الولوج للصحة والتعليم والتكوين والسكن، إلى ركوب أمواج الموت هربا من واقع لم يعد يطاق، مما شكل حرجا كبيرا للمغرب وحكومته ومنظومته الاقتصادية والاجتماعية بقطبها الحامل لشعار “الدولة الاجتماعية”، والذي فشل في امتحان الهروب الجماعي لصيف 2024 ليعيد نفس السقطة مع النسخة الثانية غير المسبوقة لصيف هذه السنة 2026 .
ما حدث بالفنيدق ومليلية خلال هذه الأيام، بات يفرض فتح نقاش للدولة مع الحكومة وكل الجهات المعنية الرسمية والتمثيلية، من أجل تبديد كل الالتباسات المحيطة بهذه الوقائع، وتفسير خلفيات وحيثيات هذه الأحداث وما يُرافقها من تضارب القراءات والتأويلات.
وفي هذا السياق نبه متتبعون ومحللون على ضرورة التحرك الرسمي بالمغرب لوضع السياسات العمومية تحت المجهر، على اعتبار انها المفترَض فيها بأن تُوَجَّهَ لإخراج ملايين الشباب من وضعيات اجتماعية مقلقة، وأيضاً من أجل تدارس كيفيات تعامل سلطات بلادنا مع مثل هذه الأحداث، إنْ على المستوى الاستباقي أو على صعيد المعالجة البَعدية، سياسيا وتواصليا وقانونيّا وتنمويّا وأمنيّا.
فقد أجمع المغاربة عبر منصات التواصل الاجتماعي، على أن ما يحدث بالفنيدق مسيء للوطن، سواء من ناحية مد الهجرة أو الهروب الجماعي و خطورة الصور والفيديوهات المتداولة على مستوى الشبكة العنكبوتية او الصحافة الاسبانية والعالمية، حيث أن الحكومة والدولة المغربية، ظلتا في مقابل ذلك إلى حدود الساعة تسبحان في الصمت المريب، ولم يخرج أي مسؤول حكومي للتعليق على ما حدث ضمن موجة هروب جماعي في نسخة ثانية بعد صيف2024، بعدما فشلت الحكومة في التعاطي ومعالجة الأسباب التي كانت وراء العمليتين، مصدرها واقع اجتماعي واقتصادي لم يعد يُطاق، حيث ظل يتمدد عبر عمليات “ماكياج سياسي”سرعان ما تعرضت مساحيق التزيين المستعملة للذوبان لتظهر الصورة البشعة للسياسات العمومية ببلادنا.

















