في مشهد أثار كثيراً من الجدل والاستغراب مساء يوم أمس الخميس 9 يوليوز 2026، وذلك بموازاة مع مبارة ثمن مونديال 2026 بين المنتخبين المغربي والفرنسي، تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطعاً لإمام مسجد مغربي في ألمانيا يدعو المصلين إلى الحضور إلى مسجد بدر لمتابعة مباراة كرة القدم بين المنتخبين المغربي والفرنسي عبر تلفاز نفس المسجد، محولا بذلك قاعة الصلاة إلى مدرج لملعب كرة القدم، وذلك في مشهد حمل أسئلة ثقيلة تتجاوز واقعة الدعوة نفسها، لتلامس حدود وظيفة المسجد، ورسالة الإمام، وأولويات المجتمعات في زمن باتت فيه الكرة تتقدم على قضايا أكثر إلحاحاً.
ما وقع في مسجد مغربي بألمانيا وضع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية في قلب زوبعة عالمية، ذلك أن الوزارة تسهر على التأطير الديني لمغاربة العالم لربطهم بهويتهم وحمايتهم من التيارات الهدامة، حيث يتم هذا التأطير عبر إرسال بعثات الأئمة والوعاظ في شهر رمضان، وتوزيع نسخ القرآن والمطويات التوجيهية خلال عملية “مرحبا”، كما تقوم مصالح الوزارة بتأطير وضبط المساجد في دول المهجر ومراقبة مدى التزامها بالثوابت المغربية الوسطية.
هل أصبحت كرة القدم ديناً جديداً للشعوب؟
المسجد لم يكن عبر التاريخ قاعة للترفيه أو فضاءً لمتابعة المنافسات الرياضية، بل منارة للعبادة والعلم والإصلاح وتزكية النفوس. والإمام ليس منشطاً رياضياً ولا مروجاً للفرجة، وإنما صاحب رسالة أخلاقية ودينية، يُنتظر منه أن يحث الناس على الصلاة، ويغرس فيهم قيم المسؤولية والعمل والعلم، لا أن يجعل مباراة كرة القدم محور دعوة من فوق المنبر أو من داخل بيت من بيوت الله.
لا يتعلق الأمر بمعاداة الرياضة أو التقليل من قيمة كرة القدم، فهي نشاط إنساني مشروع يجمع الشعوب ويزرع روح المنافسة. لكن الخطورة تبدأ عندما تختلط الأدوار، ويصبح الخطاب الديني منشغلاً بما هو ترفيهي أكثر من انشغاله بما هو تربوي وروحي.
والسؤال الأعمق لا يقف عند إمام مسجد، بل يمتد إلى واقع عالمي أصبحت فيه كرة القدم أشبه بصناعة ضخمة تستحوذ على اهتمام الحكومات والجماهير ووسائل الإعلام، بينما تتراجع ملفات أكثر إلحاحاً. ففي كثير من الدول النامية تُضخ مليارات في الملاعب والتظاهرات الرياضية، في وقت تعاني فيه المستشفيات من نقص التجهيزات، والمدارس من الاكتظاظ، والجامعات من ضعف البحث العلمي، فيما تستمر هجرة الكفاءات والعقول إلى الخارج بحثاً عن بيئة تُقدّر العلم والإبداع.
إن الأمم لا تُقاس بعدد أهدافها في الملاعب، بل بعدد اكتشافاتها العلمية، وجودة تعليمها، وقوة منظومتها الصحية، وقدرتها على إنتاج المعرفة. فالاستثمار الحقيقي ليس في المدرجات، وإنما في المختبرات، وليس في صفقات اللاعبين، وإنما في العقول التي تصنع المستقبل.
كرة القدم ستظل رياضة جميلة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بوصلة تحدد أولويات المجتمعات أو إلى وسيلة تصرف الأنظار عن التحديات الحقيقية. وعندما يصبح الانتصار في مباراة أهم من الانتصار على الجهل والمرض والبطالة، فإن الخلل لا يكون في اللعبة، بل في طريقة إدارتنا لأولوياتنا.
إن حماية قدسية المسجد، وصون رسالة الإمام، وإعادة الاعتبار للعلم والتعليم والبحث العلمي، ليست معركة ضد الرياضة، بل دفاع عن التوازن الذي تحتاجه كل أمة تريد أن تصنع مستقبلها، لا أن تكتفي بالاحتفال بانتصارات عابرة تنتهي مع صافرة الحكم.

















