في مدينة تطوان، مهد الإبداع الفني والتشكيلي، ترعرع واشتهر الفنان المغربي القدير العلمي البرتولي شيخ الفنانين المغاربة، حيث يلقب”برسام الملوك الثلاث”، ويتعلق الأمر بالمغفور لهما محمد الخامس والحسن الثاني ثم الملك الحالي محمد السادس.
واليوم يُقاوم هذا الفنان التشكيلي بعدما بلغ من السن عتيا المرض والتهميش، في ظل ظروف صعبة ومعاناة مضاعفة بسبب محاولة إفراغه من منزله الذي قضى فيه أكثر من 65 سنة بنفس المدينة.
فالبرتولي والذي يعد أحد أعمدة الفن التشكيلي المغربي، وُصف لسنوات بـ”فنان الصمت والإبداع الخالص”، اختار العمل بعيدًا عن الأضواء، متفرغًا لتكوين أجيال من الفنانين الشباب بثانوية القاضي عياض، وترك بصمته في مسار كل من تتلمذ على يده، ممن يشغلون اليوم مناصب ومسؤوليات في مجالات متعددة.
فبعد عقود من العطاء، يجد رسام مدينة تطوان والمغرب نفسه اليوم وحيدًا، طريح الفراش، عاجزًا عن المشي أو التردد على نادي تطوان الثقافي، بينما تحوم حوله “مؤامرة دنيئة” – كما وصفتها مصادر مقربة – تسعى لإفراغه من بيته المتواضع، متسائلين: أين هي الضمائر الحية؟ وأين رد الاعتبار لرجل أفنى عمره في خدمة الفن والوطن وتربية الأجيال؟

تجربة فنية استثنائية
ينفرد العلمي البرتولي بتقنية “التنقيط” في أعماله التشكيلية، وهي أسلوب فني دقيق ومعقد لا يجرؤ كثير من الفنانين على خوضه، وقد تناول في لوحاته مواضيع عميقة وواقعية، أبرزها حياة البسطاء والمرأة القروية، وعبّر عن همومهم الاجتماعية والإنسانية بلغة الفن.
لوحاته ليست مجرد صور، بل تحمل رسائل اجتماعية وفلسفية، تغوص في الواقع وتحاوره، وتستلهم من الذاكرة الجماعية لتطوان، ومن تراث الأندلس والأمازيغ واليهود والمسلمين الذين تقاسموا هذه الأرض في فترات تاريخية مضيئة.
غبن إداري وتهميش رسمي
ورغم كفاءته العالية وتكوينه الأكاديمي في إيطاليا، لم يحظ البرتولي بفرص التوظيف أو التقدير نفسه الذي ناله فنانون آخرون تلقوا تعليمهم في إسبانيا أو بلجيكا. ورغم تخرجه من مدرسة الفنون الجميلة في الستينيات، ظل مهمشًا من المؤسسات الرسمية التي لم تعترف بشهاداته الإيطالية، ما عمّق إحساسه بالظلم والتجاهل.

نداء للوفاء ورد الاعتبار
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يحتاج الفنان العلمي البرتولي إلى التفاتة حقيقية من المجتمع، ومن تلامذته، ومن المسؤولين الثقافيين والمنتخبين، لإنقاذه من محنته الصحية والمعيشية، والوقوف في وجه محاولات طرده من منزله.
لقد قدّم الفنان التشكيلي الكثير لتطوان وللمغرب، وحان الوقت ليردّ له الوفاء، بتكريم رمزي على الأقل، يليق بفنان كبير أعطى من قلبه وفنه وعقله دون أن ينتظر مقابلًا، قبل ان يجد نفسه طريح الفراش يقاوم المرض وظنك العيش.


















