انتهى التنافس الانتخابي والتدفاع السياسي مع ظهور نتائج اقتراع 23 شتنبر 2026، وبدأت الأحزاب تتفاوض حول تشكيل الحكومة وتوزيع المسؤوليات والمواقع. وهذا جزء طبيعي من الممارسة الديمقراطية،لكن في خضم هذا التنافس ينبغي أن لا تضيع الحقيقة الأكبر.فالحكومات تتغير، والأحزاب تتبدل، والانتخابات تتعاقب، أما الدولة فمستمرة والمغرب باقٍ.
وفي قلب هذه الاستمرارية توجد المؤسسة الملكية باعتبارها المؤسسة الدستورية الأولى في مملكتنا الشريفة، وباعتبار الملك، وفق الدستور، رئيس الدولة وضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة واستمرار الدولة.
ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي يضطلع به صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في وضع الخيارات الاستراتيجية للمملكة، وفي مواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب ومحيطه، وفي جعل القضايا المصيرية للمملكة فوق الحسابات الظرفية والحزبية.
لقد عرف المغرب خلال العهد الزاهر للملك محمد السادس، تحولات عميقة في مجالات التنمية والبنية التحتية والانفتاح الاقتصادي والدبلوماسية والشراكات الدولية، كما ظل ملف الوحدة الترابية في صدارة الأولويات الاستراتيجية للدولة، مما
يجعل من الرسالة خطابا واضحا إلى الطبقة السياسية: مفاذها أن لا نجعل الانتخابات أكبر من الوطن، وأن لا يحظى تشكيل الحكومة أكبر من القضايا التي تنتظرالمغرب، علما أن الانتخابات محطة، والوزارة مسؤولية ،والولاية محدودة، أما الوحدة الترابية والمصالح العليا للمملكة واستمرارية الدولة فهي قضايا تتجاوز عُمر الحكومات والبرلمانات.
تحديات وطنية وإقليمية ودولية تسائل المغرب
يوجد المغرب اليوم أمام تحديات إقليمية ودولية متسارعة، من محيط مغاربي معقد، إلى فضاء متوسطي وإفريقي متغير، إلى تحديات أمنية في منطقة الساحل ، وصولا إلى المنافسة الدولية على المصالح والنفوذ والشراكات.وفي قلب هذه التحولات توجد القضية الوطنية. فقضية الصحراء المغربية ليست ملفا حزبيا ، بل قضية دولة وأمة ومجتمع. والمسار الذي اختاره المغرب في الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي يحتاج إلى نفس طويل، ودبلوماسية يقظة، وجبهة داخلية متماسكة، وتعبئة سياسية مسؤولة.
وهنا تظهر مرة أخرى أهمية استمرارية الرؤية الملكية، فالملفات الاستراتيجية لا تدار بمنطق ولاية انتخابية تشريعية واحدة ،ولا بمنطق مصلحة حزب، ولا بمنطق حسابات ظرفية. بل إنها تحتاج إلى تراكم ،وإلى وضوح، وإلى نفس استراتيجي طويل.ولهذا، فإن الأحزاب مطالبة اليوم بأن تدرك أن اختلافها السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف حول الثوابت الوطنية. فلتكن المنافسة على البرامج ،والاختلاف في السياسات ، ولنجعل المغرب فوق الحسابات السياسية.
فالمعارضة ليست خصومة مع الدولة، والأغلبية ليست شيكا على بياض ،والحكومة ليست غاية في حد ذاتها. فالحكومة وسيلة لخدمة الوطن والمواطن، والوزارة ليست غنيمة ،والمنصب ليس مكافأة، إنه تكليف ومسؤولية ومحاسبة.
وإذا كان للمغرب أن يواجه تحديات المرحلة بثقة، بفضل عاهلنا المفدى، فإنه يحتاج إلى مؤسسات قوية وأحزاب مسؤولة، وحكومة فعالة وبرلمان يقظ، ودبلوماسية نشطة، ومجتمع واعٍ، وجبهة داخلية متماسكة حول المؤسسة الملكية والقضايا الوطنية الكبرى. وفي مقدمة ذلك كله احترام الدستور، واستحضار الدور المركزي الدستوري للملك.
السياسيون ولعبة الربح والخسارة
لقد انتهت الانتخابات، وستأتي انتخابات أخرى ،وستتغير الحكومات، وسيتغير الوزراء والبرلمانيون لكن المغرب لن ينتظر، لأن التحديات لا تنتظر تشكيل الأغلبية والرهانات الوطنية لا تنتظر توزيع الحقائب، والمصلحة العليا للمملكة لا تنتظر المفاوضات السياسية.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الأحزاب لا يتعلق بما سيحصل عليه كل حزب من ربح أو خسارة ضمن مفاوضات المنصوري، بل ماذا سيقدمه السياسيون للمغرب من داخل البرلمان ومن خارجه، أما رسالة الحكومة المنتظرة، فإنها تسائلها بشأن برنامجها وخطتها لتكون في مستوى المرحلة، متجاوبة مع انتظارات المغاربة، ومتناغمة مع الرؤية الاستراتيجية للقصر.
فالدولة تستمر، والمغرب يتقدم، أما الحكومات والأحزاب والمواقع فإنها تتداول عبر مراحل في مسيرة وطن أكبر من الجميع، ذلك أنه خلال اللحظات الكبرى ،لا يكون السؤال: من انتصر في الانتخابات؟ أو من فاز بأهم الحقاب الوزارية والمسؤوليات؟ بل يبقى الجميع مطالبا بالرد على من انتصر للمغرب؟تلك هي المسؤولية و الأمانة تجاه المغرب أولا حتى يكون الوطن فوق كل الحسابات.

















