يتواصل بمدينة فاس مسلسل حوادث السير لسيارات الدولة، والتي تتعرض لأضرار مادية جسيمة تكلف ميزانية المال العام، وذلك في مقابل طمس هذه الحوادث تحت مسميات متعددة منها مسطرة “أمر بمهمة” بغرض حماية المخالفين لاستعمال هذه السيارات خارج أوقات العمل وتحويلها إلى سيارات نفعية، يخصصها مستغلوها من مسؤولي الجماعات وموظفيها ونظرائهم بالقطاعات الحكومية، لتنقل أفراد عائلاتهم في كل الاتجاهات، فيما يتم رصد هذه السيارات أمام الأسواق الممتازة والمقاهي والمطاعم وأماكن الاصطياف وحتى الحانات والمراقص.
وفي هذا السياق،سجلت مدينة فاس في وقت متأخر من ليلة “الثلاثاء-الأربعاء”الأخيرة، 31 مارس وفاتح أبريل الجاري، حادثة سير بطلها رئيس مصلحة الثقافة بجماعة نفس المدينة، والذي كان على متن سيارة نفس المصلحة التي يستغلها لذات الصفة الإدارية، حيث فقد سيطرته على المركبة بسبب حالة مشبوهة كان عليها، وفق ما نقلته مصادر عاينت الواقعة، وذلك في انتظار ما ستسفر عنه إجراءات الشرطة ومصلحتها في السير والجولان بولاية أمن فاس، والتي أشرف عناصرها على المعاينة وإنجاز محاضر الحادثة.
ووفق المعطيات التي حصلت عليها”الميادين”من شهود عيان، فإن شرطيا من فريق الدراجين، كان بمحاذاة مقهى”لونيكا” المشهور بطريق عين الشقف، بصدد مراقبة وثائق سيارة أوقفها، قبل أن يتفاجأ الجميع بقدوم سيارة تحمل علامة”ج”، وقد صدمت السيارة المتوقفة، مما تسبب في إصابات خفيفة للشرطي وراكبي السيارة التي كان بصدد مراقبة وثائقها، حيث تبين بعد ذلك بأن الأمر يتعلق بموظف بجماعة فاس يرأس مصلحة الثقافة، وهو ما تطلب نقل المصابين في الحادث على متن سيارة الوقاية المدنية نحو المركز الاستشفائي الجامعي لتلقي العلاجات المطلوبة.
وكشفت ذات المصادر بأن مسؤولين من جماعة فاس،حلوا بمكان الحادث عقب استنفار للهواتف وذلك في محاولة لاحتواء الموضوع، خصوصا وسط حديث عدد من المصادر عن شبهات تخص موظف الجماعة والذي كان في حالة غير طبيعية خلال قيادته لسيارة المصلحة التي يرأسها، وذلك ضمن نفس الخطة التي يتم اتباعها خلال وقوع أي حادث سير لسيارات الدولة سواء كانت تابعة للجماعات الترابية أو القطاعات الحكومية.
والمثير في الموضوع هو أن حادثة سيارة مصلحة الثقافة بجماعة فاس والتي تعرضت لأضرار مادية جسيمة، وألحقت أضرارا مماثلة بممتلكات الغير ضمن هذا الحادث المروري، كشفت عن معطيات توصلت بها “الميادين”، مفادها أن الموظف بطل هذه الواقعة، كان يشغل على مدى مساره العملي بنفس الجماعة، مديرا لمركب الحرية قبل أن تقدم مؤخرا نائبة”العمدة”المكلفة بقطاع الثقافة والرياضة، على تعيينه رئيسا لمصلحة الثقافة، وذلك بدون اجتيازه للمباراة التي تؤهله لتقلد هذه المهمة.
“السيبة” في استغلال “سيارات الدولة” :
أعاد حادث سيارة مصلحة الثقافة بجماعة فاس للواجهة، ظاهرة “السيبة”في استغلال الموظفين والمنتخبين لسيارات الجماعة والتي تكلف ميزانيتها غلافا ماليا ضخما ما بين اتفاقيات الكراء وصفقات اقتناء سيارات جديدة، حيث سبق “للميادين”في تقارير صحفية بأن فضحت صيف 2023 هذا الاستغلال غير القانوني، وهو ما عجل حينها بتحرك لرئيس الجماعة عبد السلام البقالي، والذي أمر آنذاك بتعميم مذكرة على رؤساء الأقسام والمصالح بالجماعة الأم ومقاطعاتها طالبت بوضع سيارات الجماعة بالمرأب عند انتهاء الدوام الإداري، لكن هذا التوجيه لم يدم طويلا قبل أن تعود “حيمة إلى عادتها القديمة”.
والخطير هو أن رؤساء الأقسام والمصالح ممن ظلوا منذ تعيينهم يستفيدون من تعويض شهري عن استعمال سياراتهم الشخصية قدره(ألفين) 2000.00 درهم، فإنهم واصلوا استغلالهم غير القانوني لسيارات المصلحة المزودة بالمحروقات، مخالفين بذلك المرسوم 2.21.580 الصادر في 31 غشت 2021، فيما أقدم مؤخرا “عمدة فاس”معية المدير العام للمصالح بجماعته، على إيقاف التعويض وسحب السيارات من رؤساء الأقسام في خطوة غير مفهومة، لكنه أبقاها في يد رؤساء المصالح بالجماعة الأم ومقاطعاتها، كما احتفظ المدير العام للمصالح بـ3 سيارات تحمل رمز(ج).
فهل ستتدخل مصالح المجلس الجهوي للحسابات وكذا مصالح والي جهة فاس وعمالتها خالد آيت الطالب، لإجراء بحث في الاستغلال غير القانوني”للسيارات العمومية”المزودة يوميا بالمحروقات من المال العام؟ حيث حولها الموظفون والمنتخبون إلى سيارات نفعية و شخصية، وذلك على الرغم من أنهم يستفيدون من التعويضات عن التمثيل والتنقل، فيما يصرون في مقابل ذلك على الاستغلال غير القانوني “للسيارات العمومية”بمصالحهم الإدارية، متسببين بذلك في”تبديد أموال عامة”، وهو الأمر الذي يستوجب مساءلتهم قانونيا، خصوصا أن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت سبق له بأن عمم مذكرة وزارية منتصف شهر مارس 2022 على الولاة والعمال ورؤساء الجماعات الترابية، حيث طالبهم بجرد سيارات الخدمة بالجماعات وعقلنة استهلاك المحروقات وتحركات سيارات المصلحة الجماعية، كما أن نفس المسؤول الحكومي، أمر في دورية لاحقة وجهت لرجال السلطة، تحثهم على ضرورة ترشيد النفقات واستعمال سيارات المصلحة للأغراض الإدارية فقط، وهو النداء الذي يتجدد مع كل موعد سنوي يصادف إعداد وتنفيد ميزانيات الجماعات الترابية.
















