أسوار المدينة القديمة في تازة كانت يوما ما رمزاً للصمود والممناعة وحصنا يحمي المدينة من الغزاة واللصوص والغرباء ، أصبحت اليوم شاهدة على الإهمال والنسيان ، تئن تحت وطأة الأزبال المتراكمة والروائح الكريهة ، إنه مشهد يثير أكثر من علامة استفهام ، حول الجهة التي تتحمل مسؤولية ما آلت آليه أوضاع الأسوار التاريخية للمدينة، ومن يتحمل مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث الحضاري و التاريخي، الذي يعود لمئات السنين.
ونحن نقوم بجولة في المكان استوقنا شاب في عقده الثالث، من ساكنة المدينة العتيقة بعدما عرف صفتنا ومهمتنا الإعلامية، وقال بتذمر ” لو قمتم بزيارة الأسوار ليلا بما فيها سور الجمعة لوقفتم على كارثة إنسانية لم تشهدها المنطقة، حتى في أسوأ فتراتها.
وأضاف ذات المتحدث بنبرة يملؤها الحزن الأسى بقوله: “الوضع لا يطاق، حتى أسوار باب الجمعة التي تم تأهيلها من جديد أصبحت وكرا حقيقيا للدعارة والمتشردين لأنها دون حراسة، روائح كريهة، قنينات خمر مرمية في كل مكان، وأطفال قاصرون يتعاطون المخدرات على مرأى من الجميع”.
وزاد ابن المدينة القديمة لتازة : ” أسوار تازة العتيقة تستغيث ولا من مغيث، نحن كساكنة لم نعد نستطيع حتى المرور من هناك بعد المغرب رغم أنها تعد الطريق الوحيدة للراجلين التي تربط تازة السفلى بتازة العليا ، فما بالك بأطفالنا ونسائنا، وذلك بسبب المنحرفين الذين يرابطون بالمكان، ناهيك عما تعرفه أسوار باب الريح التي تطل على مدينة تازة السفلى من الأعلى بأحيائها القديمة المتناسقة كأنها تحرسها من الدخلاء والغرباء ، في منظر بانورامي يثير رغبة التأمل في طبيعة خلابة لا متناهية، لكن احتلالها من قبل المتشردين حرم الجميع من هذه الرغبة” .
إن ما تعيشه أسوار تازة العليا اليوم ليس مجرد إهمال عابر ، بل هو جريمة في حق التاريخ والذاكرة الإنسانية، جريمة تتحمل مسؤوليتها كل الجهات ، من وزارة الثقافة إلى السلطات المحلية، إلى المجتمع المدني ، وحتى المواطن نفسه الذي ساهم بصمته في تفاقم الكارثة، ومساهمته في تلويث البيئة وعدم الحفاظ على ارثه التاريخي وأسوار مدينته، التي رغم أنها مهدمة ومتآكلة، إلا أنها لا زالت شاهدة على حقبة من تاريخ حضارتها وازدهارها، وتقف عاجزة عن لملمة ماضيها أمام الإهمال واللامبالاة.
فهل من المعقول أن تتحول المآثر التاريخية للمدينة القديمة في تازة، والتي كانت تميزها عن بعض المدن المغربية بإرثها المتفرد إلى أمكنة بائسة تشمئز الأنفس حتى المرور بجانبها، فإذا كانت وزارة الثقافة غائبة أم مغيبة ، ولا تستطيع حتى كنس جوانب هذه الآثار التاريخية ، فما هو دور السلطة المحلية ، والمجنمع المدني ، وساكنة المدينة التي ساهمت بشكل مباشر في تحويل هذه الأمكنة إلى مكب للنفايات؟


















