¶¶في زمن أصبحت فيه الهواتف المحمولة حاضرة في حياة الأطفال منذ سنواتهم الأولى، يطرح سؤال التربية الثقافية نفسه بإلحاح: هل نمنح أطفالنا شاشة تلتهم أوقاتهم، أم نمنحهم كلمة تفتح أمامهم آفاق الخيال والمعرفة؟ ¶¶
****************
لا يتعلق الأمر هنا برفض التكنولوجيا أو الدعوة إلى إبعاد الطفل عن كل وسائل العصر، فالهواتف والأجهزة الذكية أصبحت جزءاً من الواقع اليومي، وقد تحمل إمكانات تعليمية ومعرفية مهمة. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول الشاشة إلى رفيق دائم للطفل، وإلى بديل عن القراءة واللعب والحوار والتعبير الإنساني.
من منظور سوسيولوجي، فإن الطفل لا يعيش منعزلاً عن محيطه، بل تتشكل شخصيته من خلال ما يراه ويسمعه وما يشاركه مع أسرته ومدرسته ومجتمعه. وحين تمنحه الأسرة هاتفاً دون مواكبة أو توجيه، فإنها قد تترك جزءاً كبيراً من عملية التنشئة الاجتماعية للشاشة، بما تحمله من صور ورسائل ومحتويات لا تستطيع الأسرة دائماً مراقبتها أو فهم تأثيرها.
إن الطفل الذي يعتاد التلقي السريع قد يصبح أقل صبراً على القراءة، لأن الشاشة تقدم له الصور والألوان والأصوات جاهزة، بينما تطلب منه القراءة أن يشارك بخياله، وأن يتوقف عند المعنى، وأن يبني داخل ذهنه عالماً خاصاً به.
وهنا يمكن للشعر أن يؤدي دوراً تربوياً وثقافياً مهماً. فحين نشجع الطفل على قراءة الشعر، فإننا نساعده على اكتشاف جمال اللغة وإيقاع الكلمات وقدرتها على التعبير عن المشاعر. وحين نمنحه فرصة لكتابة بيت شعري أو خاطرة بسيطة، فإننا نفتح له باباً ليقول ما يشعر به بدل أن يبقى أسيراً للتلقي الصامت.
قد لا يصبح كل طفل شاعراً أو كاتباً، وليس هذا هو الهدف، بل الغاية هي أن نمنحه القدرة على التعبير والتخيل والتفكير، لأن الطفل الذي يجد الكلمات للتعبير عن حزنه وفرحه وخوفه وأحلامه، يكتسب وسيلة إنسانية للتواصل مع ذاته ومع الآخرين.
إن القراءة ليست مجرد نشاط مدرسي، والشعر ليس ترفاً ثقافياً. إنهما، في جوهرهما، وسيلتان لبناء الإنسان. وبينما تقدم الشاشة عالماً سريعاً ومفتوحاً، تمنح القراءة الطفل فرصة للتأمل، ويمنحه الشعر لغة خاصة لاكتشاف ذاته.
المطلوب، إذن، ليس مصادرة الهاتف، بل إعادة التوازن. أن يكون للطفل وقت للشاشة، ووقت للكتاب؛ أن نعلمه استعمال التكنولوجيا، ولكن أيضاً نعلمه أن يكتب بيده، ويقرأ بصوت عال، ويحكي قصة، ويكتب قصيدة، ويتحدث إلى أسرته.
ربما لا نحتاج إلى أن نسأل أطفالنا فقط: ما الهاتف الذي تريد؟ بل علينا أن نسألهم أيضاً: ما الكتاب الذي تريد أن تقرأ؟ وما القصة التي تحلم أن تكتبها؟ فالأطفال لا يحتاجون إلى مزيد من الشاشات بقدر ما يحتاجون إلى من يستمع إليهم، ويقرأ معهم، ويكتشف مواهبهم، ويمنحهم ثقة بأن الكلمة قادرة على أن تكون بداية حلم.. فلا تمنحوا أطفالكم الهواتف قبل أن تمنحوهم الكلمات؛ فمن يتعلم أن يقرأ قصيدة ويكتب إحساسه، قد يجد في الكلمة عالماً أجمل وأعمق من شاشة صغيرة.

















