ليست الكارثة في ارتفاع درجات الحرارة وحدها، بل في سقوط أبسط مقومات العيش أمام أعين المسؤولين دون أن يرف لهم جفن، ففي مدينة العيون، حيث يشتد القيظ يوماً بعد آخر، لم يعد الماء حقاً مضموناً، بل أصبح حلماً يومياً يطارده المواطن بين الانقطاعات المتكررة، والصهاريج المتنقلة، والوعود التي لا تصل أبداً إلى صنابير المنازل.
ما تعيشه المدينة اليوم لا يمكن اختزاله في عطب تقني أو ظرف استثنائي، بل يعكس أزمة تدبير حقيقية تضع آلاف الأسر في مواجهة واقع قاسٍ، بينما تغيب المعلومة، ويختفي التواصل، ويحل الصمت مكان المسؤولية. المواطن لا يريد خطابات مطولة، بل يريد أن يفتح صنبور منزله فيجد الماء، وأن يفهم لماذا يدفع فواتير كاملة مقابل خدمة تغيب لساعات طويلة، بل ولأيام في بعض الأحياء.
المشهد الأكثر قسوة ليس انقطاع الماء فحسب، وإنما طوابير المواطنين وهم يلاحقون صهاريج التزود تحت شمس لاهبة، في مشهد لا يليق بمدينة يفترض أنها تعرف مشاريع تنموية كبرى. نساء، أطفال، ومسنون يركضون خلف شاحنات المياه بحثاً عن مورد للحياة، بينما تبدو المؤسسات المعنية وكأنها تراقب الأزمة من خلف النوافذ الزجاجية للمكاتب المكيفة.
الأخطر من أزمة العطش هو الإحساس المتنامي لدى الساكنة بأن معاناتها لا تجد آذاناً صاغية. فحين يغيب التواصل، وتتأخر التوضيحات، وتستمر الانقطاعات دون حلول ملموسة، يتحول فقدان الثقة إلى أزمة موازية لا تقل خطورة عن أزمة الماء نفسها. فالمرافق العمومية لا تقاس بعدد البلاغات، وإنما بقدرتها على حماية كرامة المواطن وتأمين حقوقه الأساسية.
الماء ليس خدمة كمالية تخضع لمنطق المزاج الإداري، ولا سلعة يمكن التساهل في تدبيرها، بل هو حق أصيل وركيزة من ركائز الأمن الاجتماعي والاستقرار.
وكل إخفاق في ضمان استمرارية هذه الخدمة الحيوية يستوجب الوضوح، وتحمل المسؤولية، وتقديم أجوبة مقنعة للرأي العام، بدل ترك المواطنين أسرى الإشاعات والانتظار.
إن مدينة العيون تستحق إدارة تسبق الأزمات ولا تكتفي بملاحقتها بعد وقوعها، وتستحق مؤسسات تعتبر المواطن شريكاً لا مجرد رقم في كشوفات الفواتير. أما استمرار هذا الواقع، فإنه لا ينتج سوى مزيد من الاحتقان، ويكرس شعوراً بأن معاناة الناس أصبحت هامشاً في حسابات من يفترض أنهم وجدوا لخدمتهم.
لقد آن الأوان لفتح تحقيق جاد في أسباب هذا الوضع، وتحديد المسؤوليات بكل وضوح، وإقرار حلول مستدامة تضمن حق الساكنة في الماء دون انقطاع أو إذلال. فالمدن لا تقاس بحجم بناياتها ولا بمظاهرها العمرانية، بل بقدرتها على صون كرامة الإنسان، وأول الكرامة أن يجد ماء يشربه في وطنه دون انتظار صهريج أو معجزة .


















