في مشهد يحمل أكثر من رسالة، اختارت إيطاليا أن تتحدث بلغة المسؤولية السياسية والإنسانية، بينما ما تزال أسئلة كثيرة معلقة حول الملابسات التي أحاطت بوفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير، في قضية تحولت من مجرد خبر مأساوي إلى ملف يفرض نفسه على طاولة الرأي العام.
فبتكليف مباشر من وزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي، أنطونيو تاياني، استقبل السفير الإيطالي بالمغرب باسكوالي سالزانو، مرفوقًا بالقنصل العام لإيطاليا بالدار البيضاء، أرملة الراحل عبد الرحيم فقير داخل مقر القنصلية العامة، في لقاء لم يكن مجرد مناسبة لتقديم واجب العزاء، بل حمل دلالات سياسية ودبلوماسية تتجاوز بروتوكول المجاملات المعتاد.
الرسالة الإيطالية كانت واضحة؛ فالحكومة أعلنت تضامنها الكامل مع أسرة الفقيد، وقدمت تعازيها الرسمية باسم الدولة، مؤكدة استعدادها لمواكبة العائلة وتقديم مختلف أشكال الدعم خلال المرحلة المقبلة. غير أن هذا التحرك، رغم أهميته الإنسانية، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: هل يكفي تقديم التعازي حين تتحول المأساة إلى قضية رأي عام؟ وهل ستُستكمل هذه المبادرة بخطوات عملية تكشف الحقيقة وتبدد كل الغموض الذي يحيط بالملف؟
في القضايا التي تمس حياة الإنسان وكرامته، لا تُقاس المسؤولية بحجم عبارات المواساة، بل بمدى الالتزام بالشفافية، وكشف الوقائع كاملة، وضمان الحقوق القانونية والمعنوية لأسر الضحايا. فالرأي العام لا يبحث عن كلمات مؤثرة بقدر ما ينتظر أجوبة دقيقة تُغلق باب الإشاعات وتضع حدًا للتأويلات.
اللقاء الذي جمع المسؤولين الإيطاليين بأرملة الفقيد يعكس إدراكًا دبلوماسيًا بأن مثل هذه الملفات لا تُدار بالصمت، وأن احتواء الألم الإنساني يبدأ بالإنصات لعائلة الضحية، لكنه لا ينتهي عند حدود التعزية، بل يمتد إلى تحمل المسؤوليات كلما استدعت الوقائع ذلك.
ويبقى ملف عبد الرحيم فقير اليوم اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات على تكريس مبادئ العدالة والوضوح، بعيدًا عن الاكتفاء بالبيانات الرسمية أو المجاملات الدبلوماسية. فكلما طال انتظار الحقيقة، اتسعت دائرة الأسئلة، وكلما غابت المعلومة الدقيقة، حضرت الشائعات بقوة.
لقد أحسنت إيطاليا في توجيه رسالة تضامن إنسانية إلى أسرة الفقيد، لكن الرهان الأكبر لم يعد في كلمات العزاء، بل في أن تقترن تلك الرسائل بإجابات واضحة وإجراءات شفافة، لأن الحقيقة وحدها هي التي تستطيع أن تمنح العدالة معناها، وتمنح أسرة الراحل بعضًا من السكينة التي انتزعتها الفاجعة.


















