وفي الجهة المقابلة حيث يوجد القطب الذي تقوده الصين، فقوة القوة الثانية في هذا الحلف )روسيا( هي واضحة للعالم، يكفي أن نستحضر أن اقتصادا بحجم اقتصادا الاتحاد الأوروبي يقع تحت رحمتها، فمجرد قطع أنابيب الغاز والبترول الروسية، قد يضع هذا الاقتصاد في مهب الريح، والأمر لا يقل أهمية في ما يخص المنتجات الفلاحية. وروسيا تمتلك أيضا أكبر ترسانة نووية في العالم، وأقوى جيش إلكتروني – سيبراني وصل الأمر حد اتهامه بالتدخل في الانتخابات الأمريكية.
المهم هنا هو رأس القطب، الصين، فلا يخفي على أحد اليوم حقيقة كون السلع الصينية تغرق جميع أسواق العالم بدون استثناء، وكذلك شركاتها. فعلى سبيل المثال، بإفريقيا التي تحوي بحرا من الثروات، ويجمع الخبراء اليوم على أن مستقبل الاقتصاد العالمي يوجد بهذه القارة، يشتغل ما يزيد عن مليوني صيني، وتوجد أزيد من 10 آلاف شركة صينية، وحسب مؤسسة “ماكينزي” العالمية، فالمقرضون الصينيون إلى حدود 2017 تمكنوا من الاستثمار بحصة تزيد عن 40 % من مجموع تمويلات البنيات التحتية بإفريقيا، والأكيد أن هذه النسبة أعلى بكثير اليوم. وفي مستوى آخر، بلغ حجم الودائع الصينية بالخارج سنة 2019 ما يفوق 6 تريليون دولار، غالبيتها تم استثمارها في شكل قروض، إذ جعلت من الصين أكبر مقرض في العالم، متجاوزة كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مجتمعين !!؟. وهي تقدم نفسها كقوة ناعمة وكخيار بديل لانقاد العالم من الغطرسة الأمريكية والغربية، تقول بأنها تمد يدها إلى العالم مصحوبة بمشاريع البنيات التحتية بكلفة معقولة، وباقتصاد التنمية المنتج وليس بصفقات السلاح والقواعد العسكرية.

واستنادا إلى ذلك، فإن العبرة تكمن في أن الصين استطاعت بصادراتها وبقروض التنمية التي قدمتها، إنقاد الاقتصاد العالمي من انهيار محقق خلال أزمة 2008 التي تسبب فيها انهيار البنوك الأمريكية. وفي إطار سياستها هذه، تسيطر الصين اليوم على العديد من المواقع الاستراتيجية بالعالم، مثل الميناء الاستراتيجي “هامبا نتونتا” بسيرلانكا، الرابط بين شرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، وذلك لمدة 99 سنة، ولمدة 40 عاما بالنسبة لميناء”كوادار” الاستراتيجي بباكستان، وكذلك ميناء “مومباسا” بكينيا، بالاضافة إلى مجموعة من المطارات والجزر والمناطق الصناعية الرائدة، جزء من هذا الحزام الضخم يلف حتى تخوم الولايات المتحدة بأمريكا اللاتينية.
و بلغة الواقع والأرقام، تعتبر الصين المتحكم الأول في اقتصاد القارة الإفريقية الغنية بجميع أنواع الثروات، والسوق المكون من حوالي مليار و 600 مليون نسمة، وبإضافتنا إلى ذلك سوق داخلية تتكون من مليار نسمة ونصف، وهي أكبر زبون للبترول على الصعيد الدولي، باقتصاد يمثل خمس ) 5 / 1( من الاقتصاد العالمي، ومتحكم في العديد من سلاسل الانتاج العالمية، ولقد شاهدنا كيف كانت العقوبات الأمريكية على الصين أكثر وقعا على أقوى الاقتصادات الأخرى، بتوقف مصانعها المرتبطة بالمصانع الصينية، بسبب النقص في قطع الغيار بعد توقف المبادلات مع الصين. وإذا ما أضفنا لها أسواق حلفائها، وسوق قوة اقتصادية صاعدة مثل الهند بمليار وربع نسمة )قد يعترض أحد على هذا القول بسبب المشاكل بين البلدين لكن في الواقع، الصين هي الشريك الاقتصادي الثاني للهند(، فقد نصل إلى سوق دولية بحوالي 6 مليار مستهلك، أي غالبية الثروة البشرية العالمية، مع العلم أن هذا القطب يمتلك النصيب الأعظم من الثروات الطبيعية العالمية، ونحن نعاين كيف أنه لما حاولت أوروباوأمريكا التخفيف من تبعات الحرب والتبعات الارتدادية للعقوبات المفروضة على روسيا بالبحث عن بديل للغاز والبترول، لم تجد أمامها سوى حلفاء روسيا ومنهم من يرزحون أيضا، ومنذ القدم تحت نير العقوبات الاقتصادية. ونضيف أيضا إلى أنه في مقابل الدراع التكنولوجي للقطب الأول )الغافام(، لهذا القطب أيضا دراعه الرقمي والتكنولوجي المعروف اختصارا “بالباتكس” ) BATX / Baidu, Alibaba, Tencent et Xiaomi ( ، وهو يسير بخطوات ثابتة يدك قلاع الدراع الأول تباعا. هكذا يتبين لنا بالملموس، لماذا أعلن القطب الأمريكي ومنذ سنوات وبشكل صريح: لا بد من إيقاف زحف التنين الصيني وبأي ثمن.

يبدو إدن أن كل الشروط تسير نحو النضج، لكي يباشر هذا القطب إرساء قواعد جديدة في الاقتصاد والعلاقات الدولية وبالنظام المالي العالمي. في هذا الباب، ولتكتمل الصورة، نجد نفسنا مضطرين للعودة مرة أخرى إلى اجتماع “بريتون وودز” لسنة 1944 ، ذلك أن إحدى النتائج الحاسمة لهذا الاجتماع، كانت تتمثل في موافقة الدول على مبادلة عملاتها بالدولار الأمريكي )كعملة عالمية( ضمن معدل ثابت، مقابل التزام الولايات المتحدة بضمان مبادلة الأموال بالذهب )كمعادل عالمي(. لكنه، وفي سياق الحرب الباردة ونفقاتها الضخمة، وغزو فيتنام وكلفته الباهظة، وكذلك تزايد حجم الانفاق على التعليم والصحة والمعونة لضبط الأوضاع الداخلية، قامت الولايات المتحدة بإصدارات ضخمة فاقت بكثير مخزونها من الذهب، فيما ظلت تضمن كل الكتلة النقدية بالعالم، مما جعلها تقدم سنة 1971 على توقيف العمل بقاعدة معادل الذهب، عندها لم يعد الدولار مدعوما لا بالذهب ولا بأي شيء ذي قيمة، عدا ما يعرف ب”القوة القانونية للدولة”. هكذا سيتم إغراق الأسواق بالمليارات من الأوراق النقدية التي لا تكلف في حقيقتها أكثر من قيمة طبعها، في حين هي قادرة على قضاء كل الحاجات وشراء كل السلع، وهذا في حقيقته نوع من السرقة )الكريساج( المغلف بطبقات إسمنتية من القوانين وأدرع القوى التي تحميه، مما ساهم في تكريس نظام مالي عالمي أقل ما يقال عنه انه ظالم، إذ تجد البلدان الفقيرة نفسها مجبرة على إجراء مبادلاتها الخارجية ليس بعملاتها وإنما بعملات يقال أنها صعبة. وكان من نتائج ذلك أيضا الاستشراء المتزايد للتضخم، فسنة بعد أخرى تفقد النقود قيمتها، للتأكد من ذلك، يكفي أن نسأل أجدادنا او آباءنا حول ماذا كان بإمكان درهم واحد في ستينيات القرن الماضي أن يوفره من سلع وخدمات، ونقارن ذلك بالقيمة السوقية للدرهم اليوم وبما يمكننا ان نشتريه به.
فهذه العملية، أدت إلى تراكم أرقام مالية فلكية غير قابلة للحصر في حسابات الرأسماليين، إلى درجة قد نجد معها شخصا تافها، سكيرا عربيدا، يشتري لوحة أو تذكارا بالملايير، في وقت نجد فيه الملايين من أطفال إفريقيا لا يجدون كسرة خبز تسد رمقهم أو حتى سروالا يستر عورتهم.
في ذات السياق، ومن المعلوم عند المتتبعين لقضايا الشأن الاقتصادي، أن الولايات المتحدة هي أكبر دولة مدينة في العالم، إذ يصل حجم ديونها إلى تريليونات الدولارات، ولو كان هذا هو حال بلد ضعيف لسارع صندوق النقد الدولي إلى وضع اليد على أصوله وممتلكاته وثرواته، وإلى تعيين من ينوب عنه في سياسته وتدبيره. أمريكا تراكم هذا الحجم الهائل من الديون لأن ذلك هو أحد أسرار قوتها، ولأن الدولار المحمي بقوة الحديد والنار هو العملة العالمية الأولى، ولكن تباشير تغيير هذه المعادلة بدأت تلوح في الأفق. لكي نفهم هذا الواقع جيدا، نسوق المثال التالي: لنتخيل سوقا يتزعمها تاجر كبير، بحكم قوته ونفوده، يضمن جميع التعاملات الجارية داخل السوق، وكل الأوراق المالية أو التجارية التي يصدرها )شيك، كمبيالة…( تقبل لدى الجميع، ومن حررت لصالحهم يجرون معاملاتهم مع آخرين يقبونها بدورهم، مهما توالت تظهيراتها وهكذا دواليك. وبذلك يستطيع هذا الزعيم أن يصدر ما يشاء من وسائل الأداء دون أن يأبه أو يقلق لعدم وجود نقود كافية في خزينته. لنفترض أن تاجرا قويا آخر دخل إلى السوق، بوسائل أداء وأوراق تجارية أكثر تنافسية، وتهافت التجار نحو التخلص من الأوراق القديمة باسترداد أموالهم من التاجر الأول، وتحويلها إلى التعامل بالوسائل الجديدة، تصوروا ماذا سيحصل للتاجر الزعيم، أكيد لا بديل عن الإفلاس، وقد يكون مصيره السجن لغياب مؤونة فعلية لكل ما يصدره من أوراق.

هذا المثال يقدم لنا صورة تقريبية عن الموقع الذي تتمتع به الولايات المتحدة وعملتها في الاقتصاد العالمي، الموقع الذي يجعلها تراكم ما تشاء من الديون الخارجية. لكن إذا ما حدث وتم استبدال الدولار كعملة دولية بعملة أخرى، بميزات أفضل، وسارعت الدول والشركات والأشخاص إلى التخلص من الدولارات الأمريكية، تصوروا ماذا سيحل بالاقتصاد الأمريكي، أكيد أن الانهيار حتمي لا مفر منه، وأمريكا مستعدة لأن تهد العالم إلا أن يحصل هذا السناريو، فلأجل الحفاظ على ذلك النمط الاقتصادي/ “نمط الحياة الأمريكي”، فهي تمتلك مئات القواعد العسكرية عبر العالم، وخاضت وتخوض عشرات الحروب إما بشكل مباشر أو بالوكالة، كما هو المر الآن.
هذا السيناريو/ الكابوس، أصبح أشبه بالحقيقة من خلال الأسس والقواعد الجديدة التي يصير القطب الصيني نحو إرسائها، عبر توسيع نطاق نظام المدفوعات الخاص به المعروف ب ” CIPS “، وكثير من البلدان، خاصة بلك التي ترزح نحت الحصار الاقتصادي الأمريكي والغربي وجدت ضالتها في هذا النظام، وبدأت منذ مدة في استبدال سلات أصولها من الدولا بال”يوان” الصيني، وهو الأمر ذاته الذي أقدمت عليه روسيا لسنوات قبل دخول الحرب الحالية، وما يعمق هذا الخيار التطور الغير المسبوق للعملات الافتراضية الذي خلط أوراق السياسات النقدية عبر العالم، والتي وجدت فيها البلدان المعاقبة أحد مخارج الانفلات من العقوبات.
بناءً على ما سبق، نصل إلى استنتاج أساسي مفاده أن الحرب الحالية هي حرب بين قطبين إمبرياليين عالميين، وما أوكرانيا سوى ساحة لها، والخاسر الأكبر هي جميع شعوب العالم، فيوميا يسقط عشرات الضحايا نتيجة لهذا الصراع ليس بأوكرانيا وفقط وإنما بمناطق مختلفة من العالم، وشعوب إفريقيا أكبر ضحية في ذا الباب. إدن، فمسألة إيقاف الحرب من عدمها، غير مرتبطة أساسا بالحوار الروسي الأوكراني، بل هي مرتبطة بالحسابات الكبرى للقطبين وبمصالحهما، وكل المعطيات والمؤشرات التي استحضرناها، تؤكد أنها حرب لأجل المستقبل، وهي حرب مصيرية، وتصريح “فلاديمير بوتين” القائل: “لا أعرف كيف ستعيش روسيا مستقبلا لولا هذه العملية العسكرية”، لم يكن كلام طفل صغير أو مجنون لا يدري ما يقوله، فدخول أوكرانيا إلى حلف النيتو هي بالنسبة إليه، كمن يضع مسدسا فوق رأس شخص ويطالبه بأن لا ينتج أي رد فعل، ولا يقل عن ذلك أهمية تصريح “فيكتوريا نولاند” نائبة وزير الخارجية الأمريكية: “لا بد أن تمنى روسيا بهزيمة استراتيجية لا تقوم من بعدها”. ولذلك،
وَاهِم من يعتقد بنهاية وشيكة للحرب الحالية، فالقطب الأمريكي سيفعل المستحيل لجعلها حرب استنزاف طويلة للقطب الآخر، وهو الذي خبر هذا الباب جيدا، وسيكون حطبها جحافل المرتزقة الذين سيحشدون من شتى بقاع العالم خدمة لمخططات كلا الطرفين – صحيح قد تتوقف لكن ذلك لن يكون سوى تعليق مؤقت له، مثلما أنه قد يتم التحييد المؤقت للصين في تقديم الدعم اللازم لروسيا –. وهنا يبقى المجال مفتوحا أمام أبشع السيناريوهات، خاصة مع امتلاك جميع الأطراف للأسلحة الفتاكة وأسلحة الدمار الشامل، القادرة على إنهاء الحياة على الأرض في رمشة عين.

حقا إن المستقبل مظلم، ليس من وجهة نظر الحرب والقوة العسكرية فقط، وإنما أن استمرار النظام الرأسمالي برمته يشكل تهديدا لاستمرار الحياة على الأرض، فالرأسمال المتوحش وشركاته العملاقة وأدرعه المالية المتحكمة في الإقتصاد العالمي، هي ليست مصدرا للرفاهية والازدهار سوى لحفنة من البشر، ومهددة لمستقبل الغالبية العظمى. يكفي أن ندكر معطى دا ا لا واحدا، سبق وأن نشرته منظمة “شبكة الأثر الإيكولوجي” على الطبيعة العالمية (غلوبال فوتبرينت)، حيث أشارت إلى أن البشرية وصلت يوم 29 يوليوز 2019 عتبة استهلاك كل الموارد القابلة للتجديد سنة 2019 ، بمعنى أنه ابتداءً من 30 يوليوز 2019 بدأت تستهلك موارد 2020 ، وأشارت أيضا إلى أن استمرار الأمر على هذا الحال، يعني أن البشرية ستصل إلى استهلاك كل موارد السنة القابلة للتجديد في حدود 50 سنة.
فالمجال يبقى مفتوحا أمام جميع أنواع “الكورونات” و”الايبولات” والفيضانات والحرائق والجفاف والتصحر الذي قد ينهي وجود بلدان بكاملها، بلغة مفهومة، قد يصل كوكب الأرض إلى مستوى تنعدم معه شروط الحياة، ليبقى السؤال: ألا يوجد خيار بديل؟















