
انطلاقا من سؤال خارطة طريق 2022-2026؛ هل التعليم الذي يتلقاه أبناؤنا اليوم في المدارس العمومية قادر على ضمان مستقبلهم؟ إضافة إلى قانون إطار 51.17؛ المادة 22: المواكبة النفسية والاجتماعية للمتعلمين ودورها في متابعة المسار الدراسي، والرافعة 5: التعلم الذاتي وبناء المشروع الشخصي والاندماج، والمشروع 10: الهادف إلى حفز التفتح واليقظة لدى المتعلمين، والمشروع 14: إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتمكين المتعلمين منها. أطرح أسئلة أخرى مهمة:
هل يتساءل المدرّس عن وضع ما ينقله من معارف للمتعلمين ؟ وهل يقوم ببحث شخصي يجعله متموقعا فكريا بالنسبة لهذه المعارف؟
هل المدرّس يجدّد في منهجيته ويبدع وينوّع في طرائق تدريسه أم همّه الجذاذة التقليدية والمذكرة؟!
وهل هدفه الأساسي نقل المعرفة أم بناء شخصية المتعلّم؟ وهل يُعتبر المدرّس وسيلة لنقل المعارف فقط؟
متأكِّد أن فئةً قليلة من المدرّسين هم الذين تشغلُهم مثلُ هذه الأسئلة. فما يشغلُ السَّوادَ الأعظم من المدرسين هو تبليغُ المعرفة المدرسية للمتعلمين. وما هو مؤكَّدٌ كذلك هو أن الإجابةَ عن هذه الأسئلة تستلزم من المُجيبُ أن يكونَ مُلِمّاً بقدر كافٍ من علوم التَّربية. ولكن هذا لا يمنع من أن يتساءلَ المدرسون عن وضعِ ما ينقلونه من معارف للمتعلمين وأن يقوموا ببحثٍ شخصي يجعلهم متموقعين فكريا بالنسبة لهذه المعارف.
أولا تجدر الإشارةُ إلى أنّ المدرسةَ لا تُنتِج المعرفة. إنها فقط تستهلكها. وهذا شيءٌ مهمٌّ للغاية حيث إنّ المدرسةَ، بحكم عدم إنتاجِها للمعرفة وبحكم السرعة التي تُنتَجُ بها المعرفة في المختبرات، مطالبةٌ، نظريا، بأن تُجدِّدَ باستمرار ما تنقلُه من معارف للمتعلمين. غير أن هذا التَّجديدَ لا يحدثُ و إن حدث، فبعد مرور سنوات طوالاً و بالتالي، يكون دائما تفاوتٌ بين ما تنقله المدرسةُ من معارف و المستوى الذي وصل إليه إنتاجُ المعرفة في المختبرات في عدة مجالات اجتماعية، اقتصادية، ثقافية، صناعية، زراعية، تكنولوجية… و هذا شيءٌ طبيعي لأن المدرسةَ ليست مكانا لمواكبة ما يستجدُّ من معارف في مختلف مجالات البحث. المدرسة تنقل المعارف من أجل تثقيف المتعلمين، ولكن كذلك وبالأخص، من أجل مساهمة هذه المعارف في بناء شخصية هؤلاء المتعلمين. حينها، يصبح تبليغُ المعرفة للمتعلمين ليس هدفا في حدّ ذاته و لكن وسيلة لنقلِ شخصية المتعلمين من حسن إلى أحسن. و بكل أسف، في مؤسساتِنا التَّعليمية، أصبح تبليغُ المعرفة للمتعلمين هدفا أساسيا و رئيسيا بينما بناءُ شخصية المتعلمين طالها ويطالُها الإهمال.

المعرفة، بصفة عامة، لها طبيعة، أي لها طعمٌ و مذاقٌ و لونٌ و رائحة. لماذا؟ لأن المعرفةَ لا تُمطرها السماء. المعرفة مصدرُها فكر الإنسان، وبالأخص، فكرُ الإنسان الباحث. والإنسان المنتِج للمعرفة كائن اجتماعي وتاريخي. كائن اجتماعي لأنه يعيش في وسط اجتماعي يتأثَّر به و يؤثِّر عليه. وكائن تاريخي لأنه يجرُّ وراءه تجربةً أو تجارب راكمها من خلال التعامل مع الواقع والأحداث والظواهر…
وباختصار، الشخص الذي يُنتِج المعرفةَ، سواءً كان باحثا أو غير باحث، له خلفية فكرية وثقافية هي التي تمكِّنه من إنتاج المعرفة. و الخلفية الفكرية والثقافية أنواع، أو بعبارة أخرى، التيارات الفكرية أنواع. فهناك التيار الفكري الذي يعتبر المعرفة تفسيرا وفيّاً للواقع، و بالتالي، فهي معرفة صحيحة و غير قابلة للنقاش. و هناك تيار فكري لا يعترف إلا بالمعرفة التي يبنيها فكر الإنسان، لكن الإنسان الذي يتأثَّر بظروف الزمان و المكان، وبالتالي، فهي معرفة نسبية وقابلة للنقاش. وهناك تيار فكري لا يؤمن إلا بالمعرفة الناتجة عن التَّجربة والملاحظة، وبالتالي، قابلة للتَّحقُّق، هذه هي طبيعة المعرفة التي تستحق أن يكونَ المدرسون مُلمِّين بها. لماذا؟ لأن طبيعةَ المعرفة هي التي نتجت عنها نظريات التَّعلُّم.
بالطبع، تبليغ المعرفة للمتعلمين له عدة أهداف. تثقيف المتعلمين واحدٌ من هذه الأهداف. و تثقيف المتعلمين عاملٌ له دورٌ في اندماج هؤلاء المتعلمين في الحياة الاجتماعية و العملية. و اندماج المتعلمين في الحياة الاجتماعية و العملية ضروري لاستمرار التنمية بجميع أشكالها. لكن الهدفَ الأساسي لتبليغ المعرفة للمتعلمين هو استغلالُها استغلالا عقلانيا، بيداغوجيا، تربويا و علميا من أجل بناء شخصية المتعلمين. لأن المعرفة قد يتم نسيانُها أو قد تصبح متجاوزة. بينما صقل شخصية المتعلمين و تعويدُهم على الفكر النقدي و التَّفتُّح و التَّحرُّر الفكريين و الاجتماعيين أمور تصاحبهم طيلةَ حياتهم الاجتماعية و العملية.
هناك فرق كبير بين المعرفة المدرسية و المعرفة التي تُنتْجها مختبرات البحث. أولا و للتذكير، ليست المدرسة هي التي أنتجت المعارف التي تنقلها للمتعلمين. ثانيا، المعرفة المدرسية مقتبسة من المعرفة التي تُنتَجُ في المختبرات بعد إخضاعها لعدة عمليات. أول هذه العمليات هي التَّبسيط، أي تحويل المعارف المختبرية أو العلمية من معارف قد تكون معقدة إلى معارف مبسَّطة. بعد ذلك، تكييف المعارف مع النمو النفسي والمعرفي للمتعلمين. ثم تأتي مرحلةُ صياغة المعارف على شكل برامج مدرسية، أي بشكل آخر، المضمون المُصاغ على شكل عناوين ورؤوس أقلام. ثم في آخِر المطاف، تفصيل المضامين العامة لتحويلها إلى مضامين مفصَّلة والتي ستُنقَلُ فعليا إلى المتعلمين. وهي المضامين التي تحملها المراجع المدرسية.

الأكيد أن الفرقَ الكبيرَ والأساسي بين هذين النوعين من المعارف هو أن المعارف المختبرية تم إنتاجُها في ظروف اجتماعية، اقتصادية و ثقافية معيَّنة ومن طرف أشخاص اجتماعيين وتارخيين كما سبق الذكرُ. وبالتالي، فالمعارف المنتجة قابلة للتَّغيير حسب ما تجود به ظروف الزمان والمكان. أما المعرفة المدرسية، فقد تمَّ تجريدُها من كل هذه الظروف عند القيام بعملية تبسيطها. و بالتالي، لم يعد هناك شيءٌ يوحي بأنها نسبية أو قابلة للنقاش. وهذا هو ما يحدثُ عند انتقالها من المراجع المدرسية إلى المدرسين و من هؤلاء المدرسين إلى المتعلمين. لا أحدَ يتساءل عن طبيعتِها ولا عن ظروف إنتاجها و لا عن نِسبيتها ولا عن أي تيار فكري تندرج فيه… و ما يؤسفُ له هو أن المتعلمين يعتبرون ما يتلقونه من معارف، معارف ثابتة و غير قابلة للنقاش… ليس هكذا ينمو الفكرُ النقدي عند المتعلمين و ليس هكذا يتمُّ استقلالهم التَّعلُّمي وليس هكذا ينمو فضولُهم للاكتشاف و التَّنقيب…
أما المدرس فلا يجب أن يُعتبَرَ فقط كوسيلة لنقل المعارف. فإذا كان هذا المدرسُ ناقلاً للمعرفة من أجل التَّثقيف، فهو، في نفس الوقت، مربِّي وعنصر أساسي يساهم في التَّنشئة الاجتماعية للمتعلمين. غير أن القيامَ بدور المربي والمساهمة في التنشئة الاجتماعية، يتطلَّب منه أن يكونَ مُلمّا بمُستلزمات مهنة التدريس والتربية. و بعبارة أخرى، أن يكونَ المدرسُ على علمٍ بما توفِّره له علوم التربية من معطيات في هذين المجالين، أي التدريس والتربية. وأضعف الإيمان، هو أن يكون له موقفٌ علمي و مستنير فيما يخصُّ المعرفة التي ينقلها للمتعلمين. و هذا يعني أن تكوينَ المدرسين يجب أن يكونَ تكوينا شاملا يأخذ بعين الاعتبار ليس فقط مهنةَ التدريس و لكن كذلك الدورَ التربوي المُناط بالمدرسين.
ما يؤسفُ له هو أن المدرسين، بحكم تكوينهم الذي يكون أحيانا غير مكتمل أو بحكم وقوعهم في رتابة المهنة، يهملون كل ما له علاقة بالتربية و يكرسون جهودَهم للتَّبليغ الجاف للمعارف. و النتيجة الحتمية هي حشو أدمغة المتعلمين بمعارف قد لا تصلُح إلا للامتحانات. و النتيجة الحتمية الأخرى، هي تحويلُ المدرسة من مؤسسة للتَّنشئة الاجتماعية إلى معملٍ لإنتاج أدمغة منمَّطة، و في نفس الوقت، غريبة عن ما يجري داخلَ المجتمع.

إن أكبرَ ضحايا هذا الوضع هم المتعلمون الذين هم صورة طِبق الأصل لنوعية العلاقات البيداغوجية و التربوية التي يُقيمُها معهم المدرسون أثناء ممارستهم للأنشطة التعليمية التعلُّمية. فإذا كانت هذه العلاقات مبنيةً على التبليغ المحض للمعرفة، فالمتعلمون هم الخاسرون. خاسرون لأنهم، في أحسن الظروف، يُعتَبَرون أوعية يجب ملؤها بمعارف لا يعرفون، خارجَ الامتحانات، لماذا تُنقَلُ إليهم. و الطامة الكبرى هي أن كل ما يجري داخلَ الأقسام يجعل المتعلمين يعتقدون أن كلَّ ما يُنقَلُ لهم من معارف هي معارف عبارة عن حقائق لا تقبل النقاشَ. فلا يمكن على الإطلاق أن يكونَ للمتعلمين موقف من المعرفة المدرسية لأنها، أولا، مفروضة عليهم. ثانيا، المدرسة لا تستهدف من شخصهم إلا قدرتَه على الحِفظ و الاستظهار، و في نفس الوقت، تُهمِّشُ قدرتَهم على التَّحليل و النقد و التركيب و الاستقراء والاستدلال و المقارنة و البرهنة و الاستنتاج…

كي لا أكون نابخة، أقول إنّ مدرستَنا في حاجة ماسة لتغييرٍ جذري نموذجاً وفلسفةً، ما دام سِرُّ وجود المنظومة التربوية هو تعليمُ و تعلُّمُ المتعلمين، فأي نوع من المتعلِّمين يريد المجتمع؟ هل يريد متعلِّمين أدمغتُهم محشوة بالمعارف التي، في أحسن الأحوال، لا تصلح إلا للامتحانات أو متعلمين مشبَّعين بالفكر النقدي، متفتِّحين و متحرٍّرين فكريا و اجتماعيا و قادرين على المساهمة في تقدم البلاد وتطوُّرها وتنميتِها بشريا، اقتصاديا، اجتماعيا، ثقافيا، علميا، تكنولوجيا، صناعيا…؟ كل مجتمع يطمح أن يرى بلادَه في أسمى مرتبات الرقي و الازدهار والتقدم، سيختار، بالطبع، البديلَ الثاني. لا أريد أن تكون معرفتنا بالمواد المدرسية مترهّلة بمحاورها المترامية بلا فائدة، إن واصلنا على هذا النهج فستنهدّ صروح الأمل أكثر مما عليه الآن.
















