تعتبر ظاهرة زواج القاصرات من الظواهر الاجتماعيّة المتزايدة على امتداد الوطن العربي، ويعود السبب في ذلك إلى الأوضاع والظروف الاقتصاديّة السائدة إضافة إلى الجهل المتفشّي في المجتمعات حول عواقب ومخاطر هذا الزواج، فعدم الوعي الفكري وعدم إدراك تبعات هذه الظاهرة وفهم الأمور بصورة مُغايرة لما هي عليه في الواقع يؤدي إلى انتشارها وذلك من اختلال اعتقادهم بأنّ زواج الفتيات القاصرات هو تحصين لهُنّ، وفي الواقع هذا الأمر غير صحيح حيث يعتبر تدميرا لبراءة الأطفال بسبب عدم نضوجهم وإحاطتهم بالمعنى الحقيقي للزواج وما يتبعه من أعباء ومسؤوليّات جِسام.
يُعرّف زواج القاصرات على أنّه الزواج الرسمي قبل بلوغ سن الثامن عشر عاما، أو بالزواج المبكر ورغم أنّه قد يمتد للذكور إلّا أن الغالبية المتضررة من هذا الزواج هن الفتيات حيث ينظر إليهن على أنهن عبء على أسرهن.
وفي المغرب يعتبر زواج القاصرات موروثا ثقافيا لبلد تحكمه الأعراف والتقاليد في زمن يسود فيه قانون وضع ليؤطر العلاقة بين الأطراف في المجتمع. ويعتبر تفشيه نابعا عن أزمة قيم وأخلاق أساسا رغم اختلاف أسبابه وإن تداخلت، لكنها تتوحد في العواقب والمخلفات على جميع أطراف العلاقة.

الأسباب الأساسية لتزويج القاصرات
1)الجهل يعتقد بعض الآباء وأولياء الأمور أن الزواج المبكر وسيلة لحماية بناتهن، فيدفعهم الأمر إلى تزويج الفتاة في عمر صغير دون إدراك للآثار النفسية والاجتماعيّة من وراء هذا الزواج والتي قد تضر بمستقبلها، إضافة عدم قدرتها على تحمّل عبء تكوين أسرة وتربية الأطفال ورعاية الزوج.
2)الهشاشة والفقر قد يلجأ البعض لزواج القاصرات من أجل تخفيف العبء المادي، أو الحصول على عائد مالي بسبب ذلك الزواج ليُحسّن أوضاعه الاقتصاديّة.
3)الموروث الاجتماعي فبعض المناطق وخاصة في البوادي ينتشر فيها- وضمن موروثها وعاداتها الاجتماعية- زواج القاصرات ويُعدّ أمرا شائعا ومقبولا.فهو في نظرهم يحمي شرف العائلة والتأخير فيه يقلل من سمعة الفتاة ووضعها الاجتماعي .
4)انتشار بعض المفاهيم الدينية الخاطئة إذ باعتقادهم أنّ الدين يحثّ على زواج الفتيات في سن صغيرة، وأن دور المرأة التقليدي كونها ربّة أسرة، وعليها البدء بأخذ موقعها مبكرا لتكون زوجة مُطيعة وأمًا صالحة.
5)عدم المساواة بين الجنسين غالبا ما يكون زواج القاصرات متعلقا بعدم المساواة المتأصلة بين الجنسين، والاعتقاد بأن الفتيات أقل شأنا إلى حد ما من الأولاد.
6) التسرّب المدرسي الناتج عن عدم القدرة على توفير تكاليف الدراسة المدرسيّة ما بعد الإعدادي
زواج القاصرات والجمعيات النسائية والحقوقية
فعلى الرغم من التعديلات التي أدخلتها المدونة (قانون الأسرة أو مدونة الأحوال الشخصية) وتحديدا المادتين 20 و21 سنة 2004 لا يزال بعض القضاة يأذنون بزواج الأطفال معتمدين على بعض الثغرات القانونية التي توفر لهم حرية التصرف في تزويج الفتيات القاصرات بسبب الثقافة والأعراف الاجتماعية والتقاليد التي تعكس دعم المجتمع المحافظ لهذه الممارسة، حيث سجل ازدياد كبير في رقم زواج القاصرات رغم طابعها الاستثنائي.
وأمام استمرار هذه الظاهرة فقد نددت جمعيات نسائية وحقوقية بهذا الوضع والذي لا يلائم دستور 2011 ولا اتفاقية الطفل , محذرة من استغلال ثغرات قانونية لإنتاج واقع يتعارض مع فلسفة المشرع ويساهم على نقيض ذلك في تكريس تفشي ظاهرة تزويج القاصرات، مطالبة بسد هذه الثغرة التي وصفوها بالمعضلة بسبب انعكاساتها السلبية على الفتيات حيث لم تعد منتشرة فقط في المناطق القروية، بل أصبحت تسجل أيضا في الوسط الحضري والمدن الكبرى إضافة إلى إطلاق حملات توعوية بتضافر جهود جميع مكونات المجتمع من أجل محاربة هذه الظاهرة السلبية بكل الطرق الممكنة لأن المكان الطبيعي للفتاة القاصر هو المدرسة وليس بيت الزوجية, حيث بينت الدراسات أن 99 في المائة من هذه الزيجات لا تنجح، بسبب مشاكل كثيرة بينها التعرض للعنف وعدم تحمل المسؤولية والمشاكل الأسرية وعدم الدراية بالعلاقات الجنسية.

ويعتبر زواج القاصرات من القضايا ذات الراهنية الكبرى في المجتمع لتأثيرها المباشر على حق الطفل التي تكفلها المواثيق الدولية ذات الصلة اذ تتطلب معالجة مشكلة زواج القاصرات الاعتراف بالعوامل المختلفة التي تؤدي إلى استمرار هذه الممارسة والتعجيل بتعديل المقتضيات القانونية التي تؤطر الموضوع إما بمنع زواج القاصر بشكل نهائي بتثبيت القاعدة وإلغاء الاستثناء وإحاطة هذا الزواج بضمانات قانونية تكفل عدم استعماله كوسيلة للتحايل على القانون، أو وضع معايير قانونية صارمة للاستثناءات التي تسمح للقاصرات بالزواج وتكفل أيضا الوقوف على المصلحة الفضلى للقاصر، بالإضافة الى دور التوعية عبر الجمعيات والإعلام ومختلف الفاعلين، من أجل تغيير الأعراف الاجتماعية والأفكار المتجاوزة التي لا تليق بمغرب اليوم. وذلك بتحقيق المساواة بين الجنسين خاصة إذا تم تحقيقه في أماكن الدراسة والعمل، فالفتاة التي يساعدها مجتمعها على التعلم والعمل تكون قادرة على إعالة نفسها واكتساب بعض الاستقلالية ولا تحتاج إلى الزواج في سن مبكر.
فالزواج هو عقد قانوني؛ يجب أن يكون محصورًا فقط بالبالغين، لأنه بالرغم من القيود التي فرضها المشرع المغربي، يبقى هذا الزواج في أحوال كثيرة محكوما عليه بالفشل وهو ما يبدو في كثرة النزاعات المترتبة عنه، من دعاوى نفقة، وتطليق وإهمال أسرة وشكايات طرد من الزوجية، وعنف زوجي، حيث تكتشف العديد من الفتيات وجود هوة بين تصورهن المثالي لمؤسسة الزواج والواقع الذي يعشنه وذلك بسبب قلة وعيهن ومعرفتهن بحقوقهن الإنسانية التي يمتلكنها.


















