تجلس “خديجة بوكرين ” القرقصاء على زربية سميكة، تتكئ على مخدتين تقليديتين، تولي وجهها صوب أشعة شمس صبيحة أو ظهيرة وهي تتسلل من نافذة منزلها بأحد أزقة فاس البالية، تضع رقعة ثوب أبيض على حجرها، تحمي أصابعها بأشرطة لاصقة أو بلاستيكية، تمسك إبرتها، تستل خيطا صوفيا أبيضا وتبدأ سرد قصة رسم غير مسبوقة وهي تنسج عقيقها وتسبح في ذات الوقت، كل عقيقة بستبيحة وكل صدفة بتكبيرة “سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله”.
عوالم لوحاتها الطفولية تمتح من خضرة البراري وزرقة الغدران الجارية، فن فطري خالص، تقنية غير مسبوقة ترفعت عن كل القوالب والمناهج، ونأت بنفسها عن قواعد الفن المتعارف عليه، تجربة غاصت في عوالم تيه وإخفاقات ومعاناة الإنسان، عقباته النفسية والجسدية، انتظاراته، انتكاساته، ذكرياته، صبره ومطامحه تبدو جلية في عيني “مي خديجة” وهي تعيد حياكة قصة حياتها وحزن طافح يملأ عينيها الذابلتين.
لوحات طبيعية من مخلفات عشرات الآلاف من عقيق الأعقاد والأساور والدمالج المكسرة، وأزرار الملابس المستعملة أعادت الحياة لخديجة وأسرتها، ولمتلاشيات ذكريات الطفولة، ومثلها أو أكثر من “سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله”…

نمط جديد
قد لا تحترم “خديجة بوكرين” نواظم الفن وحساباته، وقد يبدو تناظرها وتماثلها غير متطابق، غير أنها ابتكرت منطقا فنيا جديدا أساسه خلطة غير مسبوقة من الألوان الكثيفة والانعراجات المتناغمة وغير المتناغمة. لقد شكلت الدوائر والمتاهات والمنمنمات، وتقاطع الامتدادات اللامتناهية عوالم جديدة نسجتها “مي خديجة” بخيط وعقيق وأصداف.
حساباتها غير حسابات الرياضيين، أبعادها لا تحترم تناسب المعماريين، أشكالها الهندسية تنهل من امتداد الفضاء. لوحات تبدو وكأنها فيروس كورونا سائر في طور التمطط والامتداد، ويحدث أن تخيط ثوب اللوحة مع قميصها أو “منصوريتها” وهي هائمة في تذكر أوجاع الماضي الخالدة…
خارج المألوف
لم يسبق للأم والجدة “خديجة” أن ولجت فصلا دراسيا، أو تلقت تكوينا أو أخذت درسا في الفنون التشكيلية، لكنها خبرت حياكة الزرابي ونسج قصص الجدات، واعتادت صنع الأواني من طين أرض البوادي، وسحب الخبز الحارق من وسط رماد أفران الثرى.
لوحاتها تحفل بتمثلات مجردة للواقع والمتخيل والمأمول والماضي.. لمسة قروية خالصة، هندسة مشوهة، أبعاد غير مألوفة، ألوان لم يسبق لها أن تجاورت، تصاميم غير مكتملة، تجربة صبر وتحمل نادرة…
تعبر “مي خديجة” بشكل تلقائي وعفوي عن فطرتها النقية، عن أحاسيسها الخالصة ورؤيتها الشفافة للفن والوجود، عن عوالمها الغامضة وانشغالاتها العديدة “أنا فرحانة بهاد الشي اللي كندير”، هكذا تدافع عن فلسفتها في الاستمرار في الحياة لكل المنافحين…
فن ساذج برؤية ذكية
تكره “مي خدبجة” أن يمارس أحدهم وصاية على تصورها الفني أو أي شكل من أشكال الرقابة النقدية القبلية، فهي السيدة القادمة من بلدة قروية أحاطت بها الوديان والسهول من كل جانب، تتلمس ثوب صنعتها بنفس فني مهموم وعيون ذابلة، تطلق زفرات وتنهيدات وتبدأ حياكة حياة مفقودة كانت تنشدها.
فضاء كثيف كأنه حقل ورد، شموس، دمى من أسمال بالية، نجوم ليل متلألئة، سنابل قمح، حبات مطر متهاطل، زهور ياسمين وشقائق نعمان بالغة الحمرة، دوامات جداول وأنهار، حقول ذرة وعباد شمس، عراصي تين شوكي ونبق ورمان…
يتوارى المنظور في تجربة “بوكرين” إلى الوراء، ويحل محله غدير من فن العقيق، وشعاب شوكية من صدفات وأزرار الإبداع، فن ينهل من الثقافة الشعبية الخالصة والإحساس البدائي في الوصف والتعبير…
يغلب على أسلوب “خديجة بوكرين” طابع السهل الممتنع حيث تتوه بإبرتها وعقيقها في دوامة سحيقة من الالتواءات والمتاهات، تستهلك نفسها بشغف “الكاميكاز” و”الهاراكيري”، وتطلق زفرة النصر حين تصل لمرحلة توقيعها الخاطئ والذي يختلط عليها فيه حرف الخاء بالعين وبالرقم ثلاثة “الحمد لله على سلامتي”…
الجائحة وإعلان ميلاد “مي خديجة”
استشعرت “بوكرين” بحدسها الخالص خطورة الأخبار المتقاطرة حول جائحة كورونا أواخر مارس من سنة 2019 ، كانت تعي أن العالم/المغرب مقبل على تجربة غير مسبوقة، ردة فعلها الإبداعية كانت تلقائية، ولوحاتها المرقمة من واحد إلى ست وأربعين تعكس حقيقة حالتها المضطربة آنذاك، قهر وقلق الحجر الصحي، وانقطاع زيارة الأهل والأحباب دفع بها لاقتراف هواية/غواية جديدة، وكأنها تنسج ما تود أن تراه وهي تتلذذ باستحالة اكتمال اللوحة، تنقي “مطمورة” سحيقة من الزرع، تفصل حبات النافع عن الزنجلان… لقد شكلت فترة كورونا الإشراقة الأولى لميلاد الفنانة “خديجة بوكرين البقال” عن سن يناهز أربعا وسبعين سنة، ولا أحد من مقربيها كان يتصور أن “مي خديجة، مرات بوكرين، بنت إدريس البقال” ستنتج أعمالا ومجسمات… وستحيك صورا لاقت استحسان الأبناء ورواد الشبكات الاجتماعية، بل وستنجح في إقامة معرضها الأول …
حالة إلهام استبدت بخديجة أسبوع واحد بعد الحجر، فن أينع من بين تجاعيد يديها الشاهدتين على ثمانية عقود من الحياة أنجبت فيها “مي خديجة” أحد عشر وليدا وساعدت مئات النساء على وضع مواليدهن بحنكة وخبرة ويسر.
ولدت “مي خديجة” بضواحي تاونات أواخر سنة 1947، تزوجت وهي في مقتبل طفولتها، داست على أشواك المزارع وتراب الحقول ومارست كل مهام وشقاء البادية. انتقلت بعد ذلك للاستقرار بمدينة فاس وهي ابنة العشرين بحثا عن ظروف تطبيب أفضل لأحد أبنائها المرضى، غادر زوجها دار البقاء وهي في نهاية عقدها الثالث، وتركها تواجه حياة عصية على التطويع بمعية أحد عشر ابنا يبلغ أكبرهم ثمانية عشرة سنة وأصغرهم لا يزال وليدا في القماط…
تشرح لأحد مقربيها مشاعرها المختلطة بين حزن وفرح، خوف وطمأنينة وهي تلصق العقيقة الأولى على ثوب حياتها الأبيض، وفي النهاية تطلق زفرة “سعيدة” وهي تنهي عبء حمل لم تتخيل يوما أنها ستركب على أجنحته “ما عرفت واش نضحك ولا نبكي”، تردف “خديجة” وهي تطوي بحرص عملها المكتمل “الحمد لله على سلامتي”…
أمطار من أزرار وعقيق
ويبدأ فصل جديد من فصول حياة الفنانة الأم الجدة “خديجة بوكرين”، فبعد سنتين من شغف العمل، وفي الثالث عشر من يناير 2022 تحقق الحلم، واحتضن رواق محمد القاسمي بفاس معرضها التشكيلي الأول تحت شعار “أمطار من أزرار وعقيق تكتسح سماوات الفن الفطري”، المعرض استمر إلى غاية الخامس من فبراير بعدما أقدمت المديرية الجهوية للثقافة على تمديده لمرتين تجاوبا مع التدفق غير المسبوق والمستمر للزوار على الرواق.
وقد اعتبر زوار المعرض ومتتبعو حركة الفن التشكيلي بالمدينة اللوحات المعروضة تجربة فنية غير مسبوقة وفريدة من نوعها، في الوقت الذي تعتكف فيه “بوكرين” لإعداد لوحات جديدة لمعرضها الثاني وهي لا تتوقف عن التسبيح والتوحيد.















