في لحظة فارقة في تاريخ كرة القدم العالمية، وفي منعطف قد يُغير موازين الجوائز الفردية الكبرى التي لطالما احتكرها نجوم أوروبا وأمريكا الجنوبية، جاء الإعلان الصادم والمفرح في آن واحد: 43 صحفيًا من أصل 100 يمثلون القارة الإفريقية والعالم العربي، باتوا اليوم جزءًا من الهيئة المخوّلة بالتصويت على جائزة الكرة الذهبية، التي تمنحها مجلة فرانس فوتبول الفرنسية لأفضل لاعب في العالم.
ليست المسألة هنا مجرد رقم،فنحن أمام نسبة غير مسبوقة، تقارب الـ43% من إجمالي الأصوات، وهي كتلة تصويتية ضخمة بإمكانها ترجيح الكفة بشكل جذري، وربما لأول مرة في التاريخ،نحو لاعب عربي إفريقي،هو أشرف حكيمي. هذا المعطى الاستثنائي يضعنا، كعرب وأفارقة،أمام مسؤولية تاريخية لا تقل شأناً عن التحديات التي خضناها فوق الملاعب، وربما تفوقها رمزية ووقعاً، لأننا لا نتحدث فقط عن جائزة بل عن اعتراف عالمي بكفاءة لاعبينا،وإعادة صياغة سردية التتويج والنجومية خارج القوالب الأوروبية المعتادة.
لقد أثار كثيرون التساؤلات حول الحملات الإعلامية التي شُنت مؤخرًا ضد حكيمي، لاعب باريس سان جيرمان وأحد أعمدة المنتخب المغربي. والآن فقط، تتضح خلفية تلك الحملات. فبمجرد الإعلان عن هيكلة لجنة التصويت وتوسيع التمثيلية لتشمل هذا العدد التاريخي من الصحفيين من إفريقيا والدول العربية في آسيا أصبح واضحًا أن هناك من يقرأ جيدًا في الأرقام ويستبق التأثير المنتظر لهذه الكتلة التصويتية.
إن 43 صوتًا من أصل 100 لا يمكن الاستخفاف بها،إنهم يشكلون،وفق منطق النسب والأوزان، ركيزة محورية في توجيه المسار النهائي للكرة الذهبية. وإذا توفرت الإرادة الجماعية،وتجاوزنا الانقسامات المعتادة،فإن لاعبًا مثل أشرف حكيمي، الذي برز على الساحة العالمية بتألقه في مونديال قطر،وسجله الحافل مع ناديه،وشخصيته المتميزة داخل وخارج الميدان، يمكن أن يعتلي منصة المجد ويتربع على عرش كرة القدم العالمية.

لم يعد الحلم بعيد المنال، ولم نعد نتحدث عن أحلام يقظة مستحيلة. نحن الآن في لحظة واقعية تمامًا، تؤكد فيها الأرقام أننا نمسك بزمام المبادرة، وأننا قادرون، إن توحدنا، على انتزاع الاعتراف المستحق بكفاءاتنا الكروية. كم من مرة تابعنا الحفل السنوي للكرة الذهبية وأحسسنا أن لاعبي القارة السمراء والعالم العربي لا يحظون بما يستحقونه من تقدير؟ كم من مرة تألق لاعبونا في البطولات القارية والعالمية دون أن يلتفت إليهم الإعلام العالمي بنفس الزخم الذي يحظى به أقرانهم من أوروبا وأمريكا اللاتينية؟
لقد آن الأوان لكسر هذا القيد،ليس فقط من خلال الأداء فوق الميدان، بل كذلك من خلال الحضور الفاعل في كواليس القرار الرياضي العالمي. وها هي الفرصة قد أتيحت، ولأول مرة بهذا الشكل،لنقول كلمتنا في واحدة من أعرق الجوائز الكروية. فلنكن على قدر اللحظة، ولنجعل من التصويت فرصة لتصحيح مسار طويل من التهميش الرمزي.
الكرة الآن في ملعبنا،والصوت العربي والإفريقي مدعوّ إلى أن يكون صوتًا موحَّدًا، واعيًا، ومسؤولًا. لسنا هنا بصدد الدعوة إلى “تحيّز أعمى”، بل نحن بصدد دعوة إلى عدالة رمزية تُعيد التوازن إلى خريطة التتويج،أشرف حكيمي لا يُطلب له تتويج مجاملة، بل تتويج استحقاق. فهو من طينة الكبار، ومن طراز اللاعبين الذين صنعوا المجد الحقيقي داخل المستطيل الأخضر، والذين يمثلون الوجه الجديد للكرة الحديثة: لاعبين متعددي المهارات، حاضرين دفاعًا وهجومًا، ومنضبطين تكتيكيًا وإنسانيًا.
من هنا، فإن ما نأمله من الصحفيين في إفريقيا والعالم العربي ليس سوى أن يكونوا صوتًا للحق، وشهودًا للمنجز. أن يقيموا اللاعب بمعيار العطاء، لا بمعيار الجغرافيا والاسماء المألوفة. أن يُعيدوا للكرة الذهبية معناها الحقيقي: أن تُمنح لمن يستحقها عن جدارة، لا لمن يفرضه الإعلام وصراع اللوبيات.

الرهان اليوم لا يخص فقط المغرب أو حكيمي، بل يتعلق بالكرة العربية والإفريقية برمتها. فصعود اسم لاعب عربي إفريقي إلى منصة التتويج الأكبر هو انتصار لكل طفل يمارس الكرة في شوارع الدار البيضاء، أو أحياء داكار، أو ملاعب الخرطوم. هو رسالة تقول إننا لسنا مجرد “خزان مواهب” للأندية الأوروبية، بل إننا قادرون على صناعة النجوم، وتصديرهم، والدفاع عنهم حين يستحقون.
وفي هذا السياق، نرفع القبعة لكل الصحفيين الذين نالوا هذا الشرف في لجنة التصويت، وندعوهم إلى أن يكونوا في الموعد. إن مسؤوليتهم اليوم تتجاوز حدود المهنة، لتصل إلى حدود الذاكرة الكروية للقارة والعالم العربي. الكرة الذهبية قد تكون، هذه المرة، أكثر قربًا من أي وقت مضى، فدعونا لا نُفوّت الفرصة، ودعونا نُثبت للعالم أن وراء كل لاعب عظيم من إفريقيا أو من العالم العربي، هناك أمة تُؤمن به وتدعمه وتُقاتل من أجله في كل الميادين.
















