في أحد أزقة حومة أسول بالمدينة العتيقة لمراكش، تقف سقاية «اشرب وشوف» شاهدة على جانب من الذاكرة العمرانية والاجتماعية للمدينة الحمراء، بما تختزنه من تفاصيل معمارية وفنية تعكس خصوصية البناء التقليدي بمراكش.
وتلفت السقاية الانتباه بواجهتها المزينة بالنقوش والزخارف الدقيقة، التي تجسد مهارة الصناع التقليديين في التعامل مع الجص والخشب وباقي العناصر المعمارية التي ميزت المباني التاريخية بالمدينة العتيقة.
ومن بين أكثر تفاصيلها إثارة للاهتمام، العناصر الخشبية الموجودة في الجزء العلوي منها، والتي تشير الروايات المحلية إلى إنجازها من قلوب النخيل، وهي مادة عرفها البناء التقليدي بمراكش منذ أزمنة طويلة، واستُخدمت في عدد من المباني، لاسيما في الأسقف، لما تتميز به من خصائص تساعدها على الصمود في وجه الزمن.
ولا تتوقف القيمة الجمالية للسقاية عند زخارفها وعناصرها المعمارية، إذ يزين واجهتها بيت شعري يضفي عليها بعدًا أدبيًا وثقافيًا، ويعكس حضور الكتابة في العمارة المغربية باعتبارها جزءًا من منظومة جمالية تجمع بين الفن والمعنى.
وتحمل السقاية، إلى جانب قيمتها المعمارية، دلالة اجتماعية عميقة؛ فالسقايات كانت تؤدي وظيفة أساسية في الحياة اليومية للمدن المغربية، إذ وفرت الماء للسكان وعابري السبيل، وتحولت في الوقت ذاته إلى فضاءات للتواصل والتلاقي، ضمن تقاليد الوقف والإحسان التي ارتبطت بتاريخ المجتمع المغربي.
هذه حكاية سقاية”اشرب وشوف”:
تكاد تجمع مختلف الروايات التي حصلت عليها”الميادين” من مراكشيين من مختلف الاعمار و الأجيال، بأن سقاية”اشرف وشوف”، سميت كذلك بالنظر لما اشتهرت به من زخرفة معمارية أبدعت فيها أيادي الصانع التقليدي المراكش، وهي تتوشح بالنقش والزليج البلدي المرصع ، مما حولها إلى لؤلؤة تزين المكان، وهو ما جعل الزائرون يتمتعون بشرب مياهها التي تطفئ ظمأهم وتُمتع أنظارهم بزخرفها و معمارها الفريد الذي يحاكي منشأة مائية قديمة، باتت جزءًا من ذاكرة المكان، تستحضر زمنًا كانت فيه السقاية مرفقًا ذا وظيفة يومية وروحية واجتماعية، قبل أن تتغير أنماط الحياة وتتطور شبكات توزيع الماء داخل المدن.
وبحسب روايات متداولة لدى عدد من المهتمين بالتراث المحلي، فقد استفادت السقاية في وقت سابق من عملية ترميم شارك فيها خبراء من ألمانيا، مع مراعاة الحفاظ على مكوناتها وخصوصيتها المعمارية. وتظل هذه المعطيات، في انتظار توثيق رسمي أكثر تفصيلًا، جزءًا من الرواية المحلية المتداولة حول تاريخ المعلمة وأشغال صيانتها.
وتكتسب عمليات ترميم مثل هذه المعالم أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها تدخلات تقنية للحفاظ على بنايات قديمة، وإنما باعتبارها وسيلة لصون ذاكرة المدينة وضمان انتقال عناصر تراثها المعماري إلى الأجيال المقبلة.
وتظل سقاية «اشرب وشوف» واحدة من التفاصيل المعمارية التي تمنح المدينة العتيقة لمراكش فرادتها؛ فبين الأزقة الضيقة والبيوت والرياضات القديمة، تختبئ معالم صغيرة في حجمها، كبيرة في دلالاتها، تحكي جانبًا من تاريخ مدينة جعلت من الماء والعمران والحرفة والفن عناصر متداخلة في تشكيل هويتها.
إن التعريف بهذه السقاية وغيرها من المعالم الأقل شهرة لا ينبغي أن يظل مرتبطًا بالصور العابرة أو الزيارات الفردية، بل يستحق أن يندرج ضمن مسارات تثمين التراث الثقافي للمدينة العتيقة، بما يتيح للسكان والزوار اكتشاف مراكش من زاوية مختلفة؛ زاوية التفاصيل الصغيرة التي صنعت، على امتداد قرون، شخصية المدينة الحمراء.
وفي زمن تتسارع فيه تحولات المدن، تظل «سقاية اشرب وشوف» تذكيرًا بأن التراث لا يسكن فقط في المعالم الكبرى التي تتصدر أدلة السياحة، وإنما يوجد أيضًا في الزوايا والأزقة والسقايات والنقوش والأخشاب القديمة؛ أي في التفاصيل التي تحفظ ذاكرة المكان وتمنحه معنى يتجاوز الحاضر.

















