تصادف ليلة عاشوراء لهذا العام في المغرب، العاشر من محرم 1448 هـ ، وهي ليلة الخميس-الجمعة(17-18 يونيو 2026)، حيث سيكون يوم عاشوراء نفسه يوم غد الجمعة.
تُعدّ ليلة عاشوراء في المغرب إحدى أكثر اللحظات الاجتماعية كثافةً من حيث الرموز والممارسات والتفاعلات، إذ تتجاوز دلالتها الدينية المرتبطة بسياقها التاريخي في الوجدان الإسلامي، لتتحول إلى ظاهرة اجتماعية مركّبة تعكس عمق البنية الثقافية للمجتمع المغربي، وتكشف في الآن ذاته عن آليات اشتغال الذاكرة الجماعية وإعادة إنتاج الروابط الاجتماعية داخل الفضاء العمومي.
طقوس واحتفالات شعبية:
في هذه الليلة، لا يبدو الاحتفال مجرد طقس موسمي عابر، بل يتحول إلى حدث اجتماعي حيّ يعيد تشكيل العلاقات داخل الأحياء الشعبية على الخصوص، حيث تتراجع الحدود الفاصلة بين الفرد والجماعة، لصالح أنماط من التفاعل المباشر والعفوي، الذي يمنح للفضاء العمومي وظيفة رمزية جديدة قائمة على المشاركة والتقاسم.
ومن منظور سوسيولوجي، يمكن فهم عاشوراء باعتبارها لحظة “تفريغ اجتماعي” وإعادة توازن رمزي، إذ تُستعاد فيها أشكال التضامن المحلي والتآزر بين السكان، عبر ممارسات جماعية تتراوح بين اللعب والاحتفال وتبادل التهاني، في مشهد يعكس قدرة المجتمع على إنتاج لحظاته الاحتفالية الخاصة خارج الأطر الرسمية.
ويحتل الأطفال موقعاً مركزياً في هذا المشهد، حيث يتحولون إلى فاعلين أساسيين في صناعة الحدث الاجتماعي، من خلال الألعاب الشعبية وجمع “العيدية” والاندماج في فضاءات الحي. وهذه الممارسات لا تندرج فقط ضمن الترفيه، بل تُشكل آلية غير مباشرة للتنشئة الاجتماعية، يتم عبرها نقل قيم الانتماء والتفاعل داخل الجماعة.
كما يمكن قراءة بعض الطقوس المرتبطة بعاشوراء، مثل إشعال النار في بعض المناطق، بوصفها تعبيراً رمزياً ذا دلالات أنثروبولوجية مرتبطة بفكرة التطهير وإعادة التوازن داخل الجماعة. فالنار هنا تتحول من عنصر مادي إلى رمز اجتماعي يعكس التحول المؤقت في علاقة المجتمع بذاته وبذاكرته الجماعية.
ومن جهة أخرى، تكشف هذه المناسبة عن دينامية اقتصادية موسمية، حيث تنتعش الأسواق الشعبية المرتبطة ببيع الألعاب والحلويات والمستلزمات الاحتفالية، في إطار اقتصاد محلي غير مهيكل يتكيف بسرعة مع المناسبات الاجتماعية ويستفيد من كثافة الطلب الظرفي داخل الأحياء.
عاشوراء تواصل حضورها :
برغم التحولات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها المجتمع المغربي بفعل التمدن وتغير أنماط العيش، فإن عاشوراء ما تزال تحتفظ بوظيفتها الاجتماعية الجامعة، وإن كانت بعض مظاهرها تتغير تدريجياً تحت تأثير الوسائط الرقمية وتبدل تمثلات الأجيال الجديدة للطقس والاحتفال.
في المحصلة، لا تبدو ليلة عاشوراء مجرد مناسبة دينية أو تقليد شعبي، بل بنية اجتماعية حيّة تُجسّد قدرة المجتمع المغربي على إعادة إنتاج ذاته باستمرار عبر الرموز والممارسات، وعلى تحويل الطقس إلى أداة لإعادة بناء الروابط الاجتماعية، بما يعكس التداخل العميق بين الديني والثقافي والاجتماعي والاقتصادي في نسيج الحياة اليومية.


















