الحديث عن قطاع غزة، يجرنا إلى الكشف عن الخصائص التي ميزت القطاع حتى عام 1993، اهمها:
1. بروز الهوية الوطنية الفلسطينية لأبناء القطاع, ليس بالمعنى الوطني أو الجغرافي فقط, بل وكذلك بالمعنى القانوني تاريخياً, إذ أن القطاع يعتبر في المحافل العربية الرسمية والدولية “الجزء الباقي من فلسطين”.
ولهذا العامل ايجابيات كثيرة, لكنه من جانب آخر ساهم في زيادة التعقيدات في وجه أبناء القطاع، من قبل النظام العربي الرسمي عموماً, فالشعور بالاغتراب, والحرمان من الإقامة والعمل، ورفض القبول بالجامعات والتضييق السياسي والاجتماعي بكل صوره… إلخ العراقيل التي تلاحق ابن غزة أينما ذهب.
2. المساحة الضيقة التي تبلغ (365) كيلو متر مربع أو ما يعادل (1.35%) من المساحة الإجمالية لفلسطين.
3. الكثافة السكانية العالية في ظل تدني الموارد الاقتصادية، وما ينتج عن ذلك من مشكلات اجتماعية واقتصادية وسياسية، تؤدي إلى تعزيز النهوض الوطني في ظروف موضوعية (عربية ودولية) مواتية، أو تؤدي إلى مفاقمة اوضاع الاحباط واليأس ، كما هو الحال في الظروف والمتغيرات العربية الراهنة التي تتسم بتكريس التبعية والتخلف وانفجار الصراع الطائفي الدموي ارتباطاً بانتشار حركات الاسلام السياسي.
4. عزلة القطاع الثقافية، حيث لا توجد مؤسسات ثقافية فيه بالمقارنة مع عشرات المؤسسات في الضفة الفلسطينية، وغياب المؤسسات الجماهيرية الفاعلة, فمن المعروف أن قطاع غزة طوال المرحلة (1967-1993) لم تصدر فيه أية صحيفة أو مجلة ثقافية، فكرية، نويرية، أو سياسية، وأشير في هذا الصدد إلى مسؤولية كافة الفصائل الوطنية الفلسطينية التي ركزت اهتمامها منذ البدء على البعد العسكري – كعنصر وحيد – في النضال مما أدى إلى تهميش النضال الديمقراطي المطلبي الجماهيري والنقابي والثقافي طوال المرحلة (1967-1993)، الأمر الذي أسهم – مع عوامل عديدة أخرى – في تطور وانتشار حركات الإسلام السياسي.

الأوضاع والتطورات الاجتماعية والسياسية:
التطور الاجتماعي، في الضفة والقطاع، منذ عام 1994 إلى اليوم، لم يكن تطورا إيجابيا في محصلته أو نتائجه العامة، حيث تعرض لمتغيرات وتحولات ساهمت في انحراف العديد من جوانبه، بصورة كلية أو جزئية، عن سياق التطور الوطني والاجتماعي العام الذي شقته الحركة الوطنية الفلسطينية في التاريخ المعاصر، بحيث قادت هذه المتغيرات إلى تحولات ومظاهر سلبية أدت إلى تفكيك وانقسام البنية السياسية المجتمعية والبنية القيمية والأخلاقية لمجتمعنا الفلسطيني، الذي يعيش في حالة قريبة من اليأس والاستسلام، تعود في قسم كبير منها إلى أسباب وعوامل داخلية، غير قادرة على وقف الصراعات أو لجمها، بل على العكس، يبدو مضطراً أو مكرها – في معظمه – التعاطي مع احد قطبيها (فتح وحماس) في الضفة أو قطاع غزة، دون أي افق يؤشر – في المدى المنظور – على الخروج من هذا المأزق المسدود سواء على صعيد التحرر الوطني أو على الصعيد الاجتماعي. حيث أصبح مجتمعنا الفلسطيني محكوماً لما يسمى بمظاهر “مأسسة الاستبداد والفساد والتخلف” بدل مأسسة النظام العصري الديمقراطي القائم على المشاركة الشعبية والوحدة الوطنية والتعددية السياسية.
ذلك إن ما جرى من تراكمات سياسية ومجتمعية تفكيكيه منذ 14 حزيران 2007 حتى اللحظة، شكل نقيضاً لكل من صيرورة التحرر الوطني والتطور الاجتماعي والسياسي الديمقراطي، حيث سادت حالة من الاستبداد والقمع والتخلف الاجتماعي والركود الاقتصادي، كرست –بعد 14 عاما من الانقسام- واقع أقرب إلى الإحباط واليأس وانسداد الأفق، ليس بالنسبة للعملية السياسية فحسب، بل أيضاً بالنسبة للأوضاع الاجتماعية والحريات العامة وحرية الرأي، حيث بات المواطن الفلسطيني محكوماً بقيود تحد من حريته السياسية والفكرية والشخصية، وبالتالي فاقداً لدوره أو لحوافزه الذاتية للإسهام الطوعي الحر في إطار النضال الوطني أو التحرري من ناحية، إلى جانب فقدانه لدوره على الصعيد الديمقراطي والاجتماعي والثقافي العام من ناحية ثانية.

وهنا بالضبط تحولت المتغيرات السياسية الاجتماعية في كل من مجتمع الضفة و القطاع إلى حالة نقيضه للتقدم أو ما يمكن تسميته بإعادة إنتاج التخلف والتبعية أو الاستتباع، رغم الاختلاف في شكل الظاهرة ونسبتيها بين الضفة والقطاع، ذلك إن المتغيرات الناجمة عن الصراع على المصالح الفئوية بين الفريقين (فتح وحماس) في ظل الاحتلال، أدت إلى زعزعة وتفكيك أو إضعاف وعي شعبنا الفلسطيني بأفكاره وأهدافه الوطنية التوحيدية ، كما أضعفت وعيه بوجوده السياسي الاجتماعي الموحد رغم توزعه وتباعده الإكراهي في المكان بين الضفة والقطاع من ناحية، وبين مخيمات اللجوء والمنافي من ناحية ثانية ، بحيث يمكن الاستنتاج ، بأن كل من حركتي فتح وحماس ، تقدم للشعب الفلسطيني (وللشعوب العربية) أسوأ صورة ممكنة عن حاضر ومستقبل المجتمع الفلسطيني المحكوم ، بصورة إكراهية ، بأدوات ومفاهيم التخلف والاستبداد والقهر والقمع والاستلاب وهي مفاهيم وأدوات لن تحقق تقدماً في سياق الحركة التحررية الوطنية بل على النقيض من ذلك ستعزز عوامل انهيارها والانفضاض الجماهيري عنها.
إن الوضع الراهن-في ظل استمرار ضعف وعجز قوى المعارضة الوطنية واليسارية- يشير إلى أن السياسة باتت فناً للفوضى أو الموت البطيء بدلاً من فن إدارة الصراع الوطني والاجتماعي، وهي حالة يمكن أن تؤدي إلى نكبة أشد خطراً وعمقاً من نكبة 48.
معنى ذلك هناك خلل كبير دفع، ومازال يدفع ثمنه شعبنا الفلسطيني عموماً والجماهير الفقيرة خصوصاً. ذلك أن ما يجري هو شكل من أشكال الصراع السياسي والمجتمعي، الممنهج والمحكوم بالطبع بأهداف ومصالح وبرامج انقسامية فئوية محددة، تسعى إلى إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني، أو تفكيكه إلى دويله مسخ في غزة وروابط قرى في الضفة، وفق مقتضيات الصراع بين القطبين، (فتح وحماس) في إطار فسيفساء متناقضة، قد يفقد معها المشروع الوطني مرتكزاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، ما سيدفع إلى تكريس نوعاً من تفكك الفكرة الوطنية التوحيدية السياسية الفلسطينية أو الخضوع لضغوط وشروط الرؤية الأمريكية الإسرائيلية بدعم صريح من معظم الأنظمة العربية التي باتت اليوم خاضعة تماما للمخطط الصهيوامريكي وشروطه التطبيعية.

















