سحر بعض الأمكنة لا يقاوم يولد شعورا بالامتلاء والاكتفاء والانكفاك، وكأن كل الأمكنة تختزل فيه /هذا المكان المنتقى. إنه المكان النفسي الذي هو قيد التحول والتبدل الذي لا يستقر أبدا، لكنه يظل منحوتا في الذاكرة وأساسا من أسس الهوية الذاتية والجماعية. وهذا ما يجعل المرء ينسج علاقة/ات وجودية مع المكان وينجذب إليه دون غيره حتى لو كان يفتقر إلى بعض الشروط والبنيات الأساسية؛ وهو علة السفر والترحال مع تبدل الحال والمآل. إنه الأرض الأم الأولى ونبع الجينات والحياة.
لذلك، فالمكان يصير مأوى وحاضنة وفضاء مليئا بالقيم الإيجابية والمعاني البليغة والدلالات، ويستحيل فعلا مؤثرا وعاملا مستقلا في نسج طباع الناس وملامحهم. أنثروبولوجيا الإنسان كائن بيوثقافي، لأن قيم الإنسان وسلوكه وتصرفاته ونمط عيشه لا ينفصل عن محيطه الطبيعي، عن المكان الفيزيائي وسحره الذي لا يقاوم.
لكن، مع تسارع الثورات العلمية والتكنولوجيا الذكية أصبح الإنسان أمام مكان جديد، يتعلق الأمر بتصور آخر للمكان؛ إنه المكان الخوارزمي والفضاء الافتراضي الرقمي القوي التأثير بالمتصلين به لإغراءاته وانسيابه التواصلي ودقة بحثه وسرعة بلوغ بلايين المعلومات والمعطيات والوثائق. نمط وجود الكائن لم يعد هو هو في الوضع الجديد بالقياس مع الوضع الكلاسيكي، لأن الفضاء حديث العهد بالقدر الذي يوفر خدمات جليلة لكل الفئات سوسيولوجيا، ذلك حسب السن والجنس واللغة والمستوى التعليمي والمجال الجغرافي وغيره، فإنه يمارس هيمنة ناعمة على مستوى تخزين المعطيات الذاتية والصور والفيديوهات والكتابات الشذرية منها أو المقالية التي يمكن التلاعب بها والاتجار فيها وأن المتصلين يتحولون إلى أنفس رقمية قابلة للسلعنة والسوقنة والجوسسة والرقابة وكل الآليات التي لا تحافظ على الخصوصية والكرامة.
















