أثارت واقعة تعنيف أستاذ لتلميذته داخل محجرة للدرس بمؤسسة تعليمية ابتدائية بمدينة بني ملال، بسبب عدم غحضارها لكتاب مدرسي مفقود بالسوق، موجة من التساؤلات حول مظاهر العنف داخل الفضاء المدرسي، وحدود المسؤولية التربوية، ومدى قدرة المدرسة المغربية على توفير بيئة آمنة تحفظ كرامة المتعلمين وتصون حقهم في التعلم، حيث تفاعلت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة بني ملال- خنيفرة مع الواقعة، وقررت التوقيف المؤقت عن العمل في حق الاستاذ وإحالته على المجلس التأديبي.
وتعود تفاصيل القضية إلى شريط فيديو جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر فيه والد التلميذة وهو يعرض ما قال إنها آثار اعتداء تعرضت له ابنته داخل الفصل الدراسي، معبراً عن استيائه مما وقع، ومشيراً إلى أنه بذل مجهودات للعثور على كتاب مدرسي طلب منها إحضاره، دون أن يتمكن من توفيره رغم محاولاته المتكررة.
وتطرح هذه الواقعة، بصرف النظر عن التفاصيل التي ما تزال موضوع إجراءات إدارية، سؤالاً جوهرياً حول حدود التعامل التربوي مع المتعلمين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمستلزم دراسي تعذر على الأسرة الحصول عليه.
فهل يعقل أن يجد طفل نفسه في وضعية عقاب بسبب كتاب لم تتمكن أسرته من العثور عليه؟ وأين تنتهي مسؤولية الأسرة وتبدأ مسؤولية المؤسسة التعليمية في معالجة مثل هذه الحالات؟
العنف لا يصنع التربية
إن الأستاذ ليس مجرد ناقل للمعرفة أو ملقن للمقررات الدراسية، بل هو مؤطر ومربٍّ يسهم في بناء شخصية المتعلم وترسيخ قيم المواطنة والانضباط والاحترام.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار العنف الجسدي وسيلة تربوية لمعالجة تعثر التلميذ أو عدم توفره على كتاب أو أداة مدرسية، لأن المدرسة مطالبة بأن تكون فضاءً للأمان والتعلم، لا مجالاً للخوف والإهانة والمساس بالسلامة الجسدية والنفسية للأطفال.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن حقوق التلاميذ لا يعني الانتقاص من مكانة الأستاذ أو تجاهل الصعوبات التي تواجه نساء ورجال التعليم في أداء مهامهم، بل يقتضي إرساء علاقة تربوية متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل، والالتزام بأخلاقيات المهنة، وتحمل المسؤولية.
مسؤولية فردية واختلالات تستدعي المعالجة
إن اختزال القضية في تصرف فردي، دون الالتفات إلى السياق الذي أفرزها، قد يحجب جانباً آخر من الإشكال المرتبط بتوفير الكتب والمقررات الدراسية، وتنظيم توزيعها، وضمان وصولها إلى التلاميذ في الوقت المناسب.
فإذا تعذر على أسرة الحصول على مقرر دراسي رغم محاولاتها، فإن الأمر يستدعي البحث في أسباب هذا التعذر، ومدى نجاعة آليات توزيع الكتب المدرسية ومراقبة توفرها في المكتبات.
ولا ينبغي أن يتحول أي نقص في المستلزمات الدراسية إلى عبء نفسي أو تربوي إضافي على الطفل، الذي لا يتحمل مسؤولية الاختلالات المرتبطة بالتوزيع أو التسويق.
وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات التعليمية والإدارات التربوية في اعتماد حلول مرنة تراعي الظروف الاجتماعية للأسر، وتضمن استمرار التعلم دون المساس بكرامة المتعلمين.
تدخل الأكاديمية وإحالة الملف على المجلس التأديبي
وفي تطور مرتبط بالقضية، تفاعلت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة بني ملال خنيفرة مع الواقعة، حيث تقرر توقيف الأستاذ المعني مؤقتاً عن العمل وإحالة ملفه على المجلس التأديبي، في انتظار استكمال الإجراءات الإدارية واتخاذ القرار المناسب وفق المساطر الجاري بها العمل.
وتشكل هذه الخطوة إجراءً مؤسساتياً يهدف إلى النظر في ملابسات الواقعة وترتيب المسؤوليات، مع ضرورة احترام المساطر القانونية وضمان حقوق جميع الأطراف.
أي مدرسة نريد لأبنائنا؟
إن هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة سؤال الإصلاح الحقيقي للمدرسة المغربية، الذي لا ينبغي أن يقتصر على تحديث المناهج والبرامج وتوفير البنيات والتجهيزات، بل يتطلب أيضاً ترسيخ ثقافة تربوية قوامها احترام الطفل، وتأهيل الأطر التعليمية، وتطوير آليات الدعم النفسي والتربوي، والتصدي لكل أشكال العنف داخل المؤسسات التعليمية.
فالطفل الذي يلج الفصل الدراسي يحمل أحلامه وانتظارات أسرته، ويستحق أن يجد فضاءً يساعده على التعلم واكتساب المعرفة، ويشجعه على الثقة بالنفس، بدل أن يتحول إلى ضحية للخوف أو الإهانة.
كما أن الأستاذ الذي يحمل رسالة التعليم يستحق بدوره التقدير والحماية وتوفير ظروف عمل ملائمة، غير أن ذلك يظل مرتبطاً بالالتزام بأخلاقيات المهنة واحترام حقوق المتعلمين.
من يحمي الطفل داخل المدرسة؟
إن السؤال الذي تطرحه هذه القضية يتجاوز حدود مدينة بني ملال، ليصل إلى عمق النقاش الوطني حول العدالة التربوية وتكافؤ الفرص داخل المدرسة المغربية.
فهل يكفي اتخاذ إجراءات تأديبية في حق المتسبب في واقعة العنف، أم أن الأمر يستدعي أيضاً معالجة الاختلالات التي قد تجعل مثل هذه الحوادث تتكرر؟ وكيف يمكن بناء مدرسة تضمن حق الطفل في التعلم دون خوف، وتعيد الثقة بين الأسرة والمؤسسة التعليمية؟
إن حماية المتعلم ليست امتيازاً، بل مسؤولية تربوية ومؤسساتية ومجتمعية، كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة يظل مدخلاً أساسياً لاستعادة الثقة في المدرسة العمومية.
فالمدرسة التي نريدها لأبنائنا هي مدرسة المعرفة والكرامة والإنصاف؛ مدرسة يكون فيها الأستاذ قدوة، والمتعلم محور العملية التعليمية، وتكون فيها التربية رسالة إنسانية قبل أن تكون مجرد تلقين للدروس والمقررات.. (فيديو الواقعة👈👇 )



















