تتواصل بمدينة فاس وغيرها من مدن وقرى جهتها، الاستعمال غير القانوني لسيارات الدولة من قبل رجال السلطة ومسؤولي وموظفي الإدارات العمومية وكذا المنتخبون، حيث باتت نفس الظاهرة منتشرة بشكل لافت على مستوى جميع المؤسسات الإدارية العمومية وشبه العمومية، والتي تتوفر على أسطول من سيارات المصلحة التابعة للدولة، حيث يجري تحويلها إلى سيارات نفعية مخصصة لقضاء المآرب الشخصية والعائلية لمستغليها خارج القانون.
وفي هذا السياق تأتي الحالة التي عاينتها “الميادين” بمدينة فاس يوم أمس الأحد 30 غشت الحالي، والتي تخص سيارة من نوع “داسيا”، ذات لوحة الترقيم المحسوبة على وزارة الداخلية (المغرب 230759)، حيث تسببت خلال نفس اليوم في عرقلة مرآب إحدى العمارات بشارع با حنيني، وهو ما تطلب حضور عناصر شرطة السير والجولان، والذين عاينوا المخالفة المرتبكة من قبل سيارة الدولة.
هذا وفي الوقت الذي كانت فيه شاحنة الجر، تستعد لحمل السيارة المخالفة وإيداعها المحجز البلدي، ظهر صاحبها والذي كان مرابطا داخل مقهى، حيث قدم نفسه للشرطة على أنه قائد بعمال عمالة فاس، فيما طالبه شرطي المرور بوثائق السيارة، غير أن القائد رد بكونه لا يتوفر سوى على مفتاح تشغيل السيارة الذي تسلمه، متحججا بعدها بأن مصالح وزارة الداخلية لا تمنحهم وثائق سياراتها المستعملة من قبل موظفيها، وهو ما جعل الشرطي يواجه الصعاب في الاطلاع على وثائق السيارة، قبل أن يرشده أحد رؤسائه خلال اتصال هاتفي معه، بمطالبة القائد برخصة السياقة واعتمادها في تحرير المخالفة، وذلك على الرغم من أن الواقعة تستوجب إيداع السيارة بدون وثائق في المحجز، كما يجري مع جميع المغاربة في سياق التطبيق السليم للقانون، أيا كانت هوية المخالف وصفته.
سيارة العمالة”السايبة” يقودها القائد والشيخ في يوم عطلة:
والمثير في التصريحات التي أدلى بها القائد لشرطي المرور، هو أن عون سلطة برتبة”شيخ” هو من استعمل سيارة العمالة وقام بركنها بباب مرآب العمارة، فيما كان رجل السلطة جالسا بمقهى شارع با حنيني، وهو ما أكد على الاستغلال غير القانوني الذي تتعرض له سيارات الدولة، خصوصا أن الشرطي لما طالب القائد بالوثيقة الخاصة “بأمر بمهمة” (ordre de mission) على اعتبار أنه بموجب المرسوم رقم 2.14.652 الصادر في 30 نونبر 2015، يمنع استعمال سيارات الدولة أو الجماعات الترابية في الأغراض الشخصية أو خارج أوقات العمل والمهام الإدارية، وهو ما تزامن مع يوم عطلة ليوم أمس الأحد، حيث حضر القائد وهو يرتدي “شورط” و”تيشورت”، مما يجعله خارج العمل، أجاب بأنه لا يتوفر على أي وثيقة تخص مهمته أو السيارة التي يستغلها والمحسوبة على عمالة فاس، وفق تصريحه.
فما تورط فيه القائد بعمالة فاس وقبله كثيرون، يطرح أكثر من تساؤل حول الانتشار المتزايد لاستغلال سيارات الدولة في المغرب، خارج أي رقابة إدارية، مما حول هذه السيارات إلى امتياز اجتماعي وريع إداري يجعلان البعض من موظفي الدولة لا يتورعون عن استعمال السيارات العمومية لقضاء الأغراض الخاصة، على الرغم من أن هذه السيارات تكلف ميزانية الدولة أغلفة مالية كبيرة تخص المحروقات والصيانة والتأمين وغيرها.
فهل سيتحرك والي فاس خالد آيت الطالب للعمل على إيقاف نزيف سيارات الدولة بدء من سيارات رجال السلطة والتي ترابط أمام المقاهي والمطاعم والأسواق الممتازة وغيرها، أكثر مما تلمحها أمام مقرات عملهم، غير آبهين وجاهلين أو غير مبالين بالضوابط القانونية الصارمة التي يخضع لها استعمال سيارات الدولة في المغرب، مما أثار وما يزال نقاشات مستمرة حول التكلفة المالية وحسن تدبير أسطول الإدارات والجماعات الترابية.
يُذكر أن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت سبق له بأن أصدر دوريات ومذكرات متكررة، أحدثها في أوائل عام 2026 وأواخر 2023، تمنع منعاً باتاً استعمال سيارات الدولة والجماعات الترابية (المصلحة) في الأغراض الشخصية أو خارج أوقات العمل، حيث طالب لفتيت الولاة والعمال بجرد سيارات الخدمة بالجماعات وباقي الإدارات العمومية، وعقلنة استهلاك المحروقات وتحركات سيارات الدولة، فيما سبقه رئيس الحكومة الأسبق، عبد الإله بنكيران في 2014 بإصداره منشورا حكوميا بطعم أوامر للولاة والعمال وعموم لجان التفتيش والمراقبة بمختلف الوزارات والقطاعات الحكومية، دعا فيه حينها إلى تشديد المراقبة على استعمال سيارات الدولة، محددا سقفا ماليا أقصى لكل صنف من أصنافها، كما أتاح لعناصر الأمن والدرك إمكانية حجز سيارات الدولة إذا تم استخدامها خارج أوقات العمل.

















