لم يعد السؤال في زمن الإعلام الرقمي مقتصراً على معرفة ما الذي تنشره وسائل الإعلام، وإنما أصبح من المشروع أيضاً أن نسأل: كيف تُرتَّب الأولويات الإعلامية؟ ولماذا تستطيع واقعة عابرة أن تستحوذ على اهتمام واسع، بينما تحتاج فكرة فكرية عميقة إلى وقت طويل حتى تجد طريقها إلى الجمهور؟ وتفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة الإعلام المعاصر واقتصاد الانتباه، وهنا يحضر اسم نعوم تشومسكي بقوة، ليس لأنه كان مجرد مفكر معروف، وإنما لأنه جعل الإعلام نفسه موضوعاً للتحليل والنقد.
تشومسكي و”صناعة القبول”:
في سنة 1988 نشر تشومسكي، بالاشتراك مع إدوارد صموئيل هيرمان، واللذان عرفا بانتقادهما الشديد للإعلام، كتابهما الشهير Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media، أو «صناعة القبول»، حيث تناول الكتاب ما أصبح يعرف بـ«نموذج الدعاية»، أي الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها بنية وسائل الإعلام، والملكية، والإعلانات، ومصادر الأخبار، والضغوط المختلفة، في طبيعة المعلومات التي تصل إلى الجمهور وطريقة تقديمها.
ومن المهم هنا توخي الدقة، ذلك أن تشومسكي وهيرمان لم يقدما تفسيراً بسيطاً يقوم على فكرة وجود جهة واحدة تتحكم في كل خبر، وإنما قدما نموذجاً بنيوياً لتحليل آليات عمل الإعلام الجماهيري، خصوصاً داخل السياق الأمريكي الذي ركز عليه الكتاب. وقد استمر هذا النموذج في إثارة النقاش الأكاديمي والنقد والتطوير بعد صدوره.
واللافت أن الكتاب الذي جعل الإعلام موضوعاً للتحليل تحول بدوره إلى فيلم وثائقي سنة 1992 بعنوان Manufacturing Consent: Noam Chomsky and the Media، من إخراج مارك أكبار وبيتر وينتونيك، وتناول حياة تشومسكي وأفكاره وتحليله للإعلام.
“البوز”في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والخوارزميات:
لقد أصبح الانتباه مورداً ثميناً في البيئة الرقمية، لا تكفي جودة المادة وحدها لضمان انتشارها؛ فالعنوان، والصورة، والفيديو القصير، والقدرة على إثارة الفضول أو الغضب أو الجدل، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في وصول المحتوى إلى الجمهور.
وهنا تظهر ظاهرة «البوز».
فمشهد يتضمن خلافاً أو انفعالاً أو تصريحاً صادماً قد ينتشر في ساعات، بينما يحتاج كتاب فكري أو بحث اجتماعي أو حوار مع باحث ومفكر إلى قارئ مستعد للتركيز والقراءة، حيث لا يعني ذلك أن كل مادة مثيرة بلا قيمة، كما لا يعني أن كل محتوى فكري جيد. فالصحافة تحتاج إلى التوازن، والحدث المثير قد يكون خبراً مشروعاً، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح حجم التفاعل هو المعيار الوحيد تقريباً لتحديد أهمية الموضوع.
عندها يصبح السؤال المثير أهم من الإجابة، والصورة أهم من السياق، والمواجهة أهم من الفكرة، واللحظة العابرة أكثر انتشاراً من العمل الفكري الذي احتاج صاحبه إلى سنوات من البحث، وهنا لا يمكن تحميل الإعلام وحده المسؤولية، فالجمهور أيضاً جزء من المعادلة. عندما يستهلك الملايين مقاطع الصراع والخلاف، بينما لا يمنحون الوقت نفسه للمقالات الفكرية والتحقيقات الطويلة والحوارات الثقافية، فإن منطق السوق الإعلامية والمنصات الرقمية يتجه بصورة طبيعية نحو إنتاج المزيد مما يجذب الانتباه.
وضمن هذا السياق تتشكل دائرة متبادلة، فالجمهور يتفاعل مع المحتوى المثير، والمنصة ترفع من انتشاره، والمؤسسة الإعلامية تلاحظ ارتفاع التفاعل، فتنتج المزيد من النوع نفسه، لكن وظيفة الصحافة الجادة والمسؤولة لا ينبغي أن تختزل في ملاحقة الأرقام ونغرق في ثنائية”البوز والجمهور”، على اعتبار أن الصحافة المهنية ليست مجرد ناقل لما يثير الجمهور ويلفت انتباهه، وإنما هي أيضاً أداة مجتمعية تقوم بوظيفة إخبار الجمهور ومده ببمعلومات صحيحة بعد التحقق منها، وتقديم السياق، ومساءلة المسؤولين، وفتح النقاش حول القضايا التي تؤثر في حياة الناس.
هل الجمهور صانع التفاهة؟
ما الذي نعرفه عن مستقبل التعليم؟ وعن التحولات الاجتماعية؟ وعن الهجرة؟ وعن الثقافة المغربية؟ وعن تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل؟ وعن أزمة القراءة؟ وعن علاقة الشباب بالإعلام؟ وعن مستقبل الصحافة نفسها؟ فمثل هذه المواضيع وغيرها كثير ، قادرة على بناء وعي جماعي تراكمي طويل المدى، لكنها عاجزة عن تحقيق عدد المشاهدات الذي تصله مشادة كلامية في الشارع أو وراء الجدران وزد عليها سلسلة الفضائح التي تصطادها الكاميرات ومن يقف وراءها بحثا عن “البوز” حتى أضحى الجمهور لا يفرق ما بين غرفة النوم والشارع، ما بين الحانة والمدرسة وغيرها، وهنا تحديداً تكمن أهمية استحضار تشومسكي، لأن أحد أهم دروس مشروعه النقدي هو أن اختيار ما نراه ونقرأه ليس مسألة محايدة دائماً، بل يستحق أن يكون موضوعاً للتحليل والسؤال.
الأكيد أن المتلقي الثائر على التفاهة والمحتويات الساقطة، بات اليوم يطالب بصحافة تستطيع أن تنقل الحدث، لكنها لا تتوقف عنده، صحافة تسأل: ماذا حدث؟ ثم تنتقل إلى السؤال الأهم: لماذا حدث؟ وما سياقه؟ ومن المتضرر؟ وما انعكاساته؟ وماذا يمكن أن نتعلم منه؟
فالصحافة التي تطارد «البوز» فقط قد تحقق أرقاماً كبيرة، لكنها معرضة لخطر فقدان دورها في صناعة الذاكرة والمعرفة، أما الصحافة التي تجمع بين سرعة الخبر ودقة المعلومة وعمق التحليل، فإنها تستطيع أن تحقق المعادلة الأصعب والتي تركز على جذب القارئ من دون أن تتنازل عن احترام عقله، فالمشكلة لا تكمن في وجود «البوز» بحد ذاته؛ مادام الإثارة تبقى جزء من طبيعة الإعلام منذ زمن طويل، لكن المشكلة تنتصب في مواجهة إعلامنا عندما يصبح “البوز” هو معيار الحقيقة، والمشاهدة معيار الأهمية، والخلاف معيار للقيمة والانتشار.
وهنا يعود السؤال الذي يجعل تجربة تشومسكي ذات راهنية كبيرة، من يحدد ما يستحق أن نراه ونناقشه، حتى يبقى في دائرة الضوء؟ لذلك “فالبوز” المقابل للانتشار ليس قضية تشومسكي وحده، ولا قضية صحافي بعينه؛ إنها قضية مستقبل الإعلام نفسه، ومسؤولية المؤسسات والجمهور معاً في تحديد قيمة ما نستهلكه من أخبار ومحتويات رقمية، فالمجتمع الذي يمنح كل انتباهه للضجيج، قد يسمع كل شيء، لكنه لا يفهم بالضرورة ما يحدث حوله، أما المجتمع الذي يوازن بين الخبر والفكرة، وبين السرعة والعمق، وبين الصورة والسياق، فإنه لا يكتفي باستهلاك المادة الإعلامية، بل ينخرط في صناعة إعلام أكثر مهنية وحرفية.
فالمدافعون على رسالة الصحافة النبيلة، يعتبرون الصحافي محاميا للدفاع عن الإصلاحات والشفافية، كما جاء في ميثاق الناشرين في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يجعل الصحافي يؤمن برسالته الإنسانية والمجتمعية، مثلما يؤمن بأخلاقيات مهنته وتحدياتها، وكل عهمه هو الحرص على حسن خدمة قرائه حتى يكونا معا شركاء وفاعلون أساسيون في العطاء والدفاع عن عشقهم لمهنة”الصحافة”ورسالتها النبيلة.

















