في مشهد تختلط فيه مرارة الواقع بقسوة الحاجة، توثق صورة “لحامل”مسن كان يزاول عمله في نقل أمتعة المسافرين على متن علربته اليدوية البسيطة بالمحطة الطرقية لباب دكالة بمراكش، حيث بات يتردد يوما على المكان وهو يجلس وحيدًا في انتظار مسافر قد لا يأتي، بعدما انتقلت حركة المسافرين إلى المحطة الطرقية الجديدة بالعزوزية.
تحكي قصة الرجل أنه ظل لسنوات طويلة، يقضي ساعات طويلة في المحطة الطرقية باب دكالة بمدينة مراكش، يحمل أمتعة المسافرين مقابل بضعة دراهم، حيث ظل متمسكا بحرفته البسيطة لكنها كانت توفر له موردًا يساعده على تدبير متطلبات حياته اليومية، غير أن إغلاق محطة باب دكالة وتحويل حركة النقل الطرقي إلى المحطة الجديدة بالعزوزية، جعل هذا الرجل أمام واقع جديد، بعدما فقد المكان الذي اعتاد أن ينتظر فيه زبائنه، دون أن يبدو أن هناك بديلًا واضحًا يضمن له مورد رزقه.
المشهد لا يتعلق بحامل الامتعة المسن، بل يعيد إلى الواجهة سؤالًا أوسع حول أوضاع كبار السن الذين اشتغلوا لسنوات في مهن غير مهيكلة، ولم يتمكنوا من تأمين معاش أو دخل قار يمكنهم من العيش بكرامة بعد تقدمهم في السن، وهو ما يسائل الدولة الاجتماعية والتي لا تُقاس فقط بعدد البرامج والمخططات التي تعلن عنها الحكومات، وإنما بمدى وصول الحماية الاجتماعية إلى المواطن البسيط، خصوصًا عندما يصبح غير قادر على مواصلة العمل بنفس الوتيرة.
وبينما تتحدث الخطابات الرسمية عن توسيع الحماية الاجتماعية وتعزيز الدعم للفئات الهشة، تظل صور من هذا النوع كاشفة عن تحديات قائمة على أرض الواقع، وعن فئات تحتاج إلى مواكبة اجتماعية حقيقية لا تتركها رهينة لقسوة الشارع وتقلبات الرزق.
قد تبدو الصورة في ظاهرها مجرد لقطة لحمال ينتظر مسافرًا، لكنها في عمقها تختزل قصة اجتماعية أكبر؛ قصة جيل من المغاربة الذين ما زالوا يعملون في سن يفترض أن تكون فيه الراحة والرعاية الاجتماعية حقًا لا امتيازًا، إنها صورة تختصر المسافة بين شعار الدولة الاجتماعية وواقع المواطن البسيط، وتدعو إلى تحويل الحديث عن الكرامة الاجتماعية من خطاب سياسي إلى إجراءات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، فيما تنتصب في مقابل هذا المشهد الانساني والاجتماعي المؤلم، أسئلة كثيرة من من أهمها، من يضمن لكبار السن الذين لا يملكون دخلًا قارًا حقهم في العيش الكريم، بعيدًا عن انتظار زبون أو حمل حقيبة مقابل بضعة دراهم؟

















