عرفت مؤسسة الأوقاف بالمغرب منذ الاستقلال تطورا قياسيا لم يتحقق نظيره في مؤسسات استثمارية وطنية وذلك بفصل علاقة المواطن المغربي الروحية بمجال البر والإحسان والتقرب إلى الله والصدقات الجارية.
وهكذا نجد مئات المواطنين ممن أفاء الله عليهم يحبسون “يوقفون” ممتلكات على بيوت الله( وسدنتها !! ) يسمونها للوزارة الوصية، مما جعل رصيد الأوقاف العقاري يتضاعف باستمرار، وذلك بموازاة حرص الوزارة الوصية على تدبير وتوسيع مخططات وبرامج استثمار جريئة نتج عنها اليوم امبراطورية عقارية ضخمة في جميع جهات المملكة، يشار لها ولنوعيتها بالبنان من أبراج ومركبات سكنية ومجمعات، تجاوزت بكثير ما امتلكته الأوقاف سابقا من دكاكين تقليدية وحمامات واصطبلات وقرى حبسية ومحلات صناعات تقليدية …
الحقيقة القائمة اليوم، هي أن “هولدينغ الأوقاف” تنامى ويتنامى بشكل متواصل، لكن ما هي الخدمات المقدمة للمجتمع المغربي مقابل ذلك ؟ ثم كيف تتحصل إيرادات الرأسمال العقاري الوقفي؟
فنظارات الأوقاف الإقليمية التي يرأسها ناظر أصبح اليوم وليس كما كان في القرن الماضي يقتعد كرسي وكيل عقاري بامتياز، هو من تناط به مهمة تنفيذ مخططات ومشاريع أقسام ومصالح تقنية تضم مهندسين وحيسوبيين المختصين في المجال…
وبخصوص عملية تحصيل إرادات الرأسمال العقاري الوقفي، وهنا مربض الفرس الذي ظل محط تساؤلات منذ سنوات ، يعتبر العنصر المفتاح فيه هو شخص اسمه (القابض)،فمن هو ؟
هو متعاقد بدون عقد ناظم ولا يخضع لأي قانون وظيفة أو شغل، كما أنه لا يستفيد من أي تغطية صحية ولا تقاعد وبدون تعويضات عائلية، حيث يمكن توظيفه اليوم وتسريحه غدا بجرة قلم ..ومع ذلك ويا للعجب فأنه يعين بمقرر صادر من وزير الأوقاف بناء على اقتراح الناظر ، أما أجرته الشهرية فيتقاضاها بنسبة 5% مما يستوفيه من المكترين للرأسمال العقاري الوقفي.
فالوزارة تكرس في هذا المنحى مخالفة صارخة لقانون الوظيفة العمومية، خصوصا مقتضيات “الفصل 15” منه، الذي ينص على المنع الكلي للجمع بين وظيفتين، حيث تركت وزارة الوقاف والشؤون الإسلامية الحبل على الغارب للنظار لاختيار القباض من بين موظفي النظارات الرسميين، الذين يتقاضون نفس النسبة المأوية التي يتقاضاها القابض العامل بنظام السخرة.
وهكذا نجد أن موظفين بالنظارات يتقاضون دخلين قد يكون دخل القبض أعلى من الراتب دون خصم أو ضريبة !!!!ولهؤلاء علاقات ملتبسة مع بعض النظار لا تُرى بالعين المجردة لكن يعرفها أبناء الدار خصوصا بنظارات الأوقاف التي ينطبق عليها وصف “الدجاجة البياضة السمان”.
(يتبع)
















