سخاء كينزي غير مسبوق في الإنفاق العام ، وقلق وجودي حول الموقع الريادي في توازن القوى الدولية القادمة وتعبيرات متباينة ومتصارعة عن أزمات هوية طافحة على سطح الاحداث، وتقاطب إيديولوجي حاد يسيس أكثر القضايا ارتباطا بالعلم ومقتضياته، تلكم بعض من السمات والخصائص التي تتبدى واضحة من قراءة الخطابات ورسائل الإعلام وتوابع الاحداث المتلاحقة في بلد”الوول ستريت”و”السليكون فالي .“
السخاء الكينزي غير المسبوق في الإنفاق العام الذي تجاوز سياسات السوسيال الديموقراطية الاوروبية من عدد من الوجوه، برز من خلال تصويت الكونغرس على قانون سيمكن من انفاق ازيد من تريليون دولار على تجديد شامل للبنية التحتية ، يمتد على مدى سنوات في كل الولايات ويوفر ملايين فرص الشغل .وهي جزء من أجندة “بايدن” في مجال الإنعاش الإقتصادي لفترة ما بعد كوفيد.
القلق الوجودي حول الدور الريادي بارز في تصريحات زعماء الحزبين واقطاب الاعلام والاستراتيجيات وعلب التفكير think tanks ، الذي يقطع بشكل واضح مع جو الاطمئنان وحالة الانشراح والاحتفالية التي اعقبت نهاية الحرب الباردة والتي كانت قد بشرت بالقطبية الاحادية مسارا وضابطا لسير العالم.
لا أحد اليوم يردد هذه الأطروحة رغم اختلاف التصورات بين الحزبين الكبيرين حول حجم ما تطرحه الصين وروسيا من تحديات ، فالمفكر الاستراتيجي Joseph nye حذر دوائر القرار في مقالة “بالنيويورك تايمز “من استمرار استخدام مفاهيم الحرب الباردة في العلاقات مع الصين ناصحا صناع القرار باعتماد أسلوب أو مقاربة تدمج التنافس والتعاون كصيغة لإدارة العلاقات مع هذا العملاق الاسيوي الصاعد .
التعبيرات المتصارعة عن أزمات الهوية بدت من خلال الصراع التقاطبي الحاد الذي نجد على طرفيه حركة black lives matter حياة السود تهم ،من جهة وما ينعت بالـ”white supremacists ” دعاة تفوق العنصر الأبيض من جهة ثانية، وبينهما حركات أخرى تتساءل عن دور الرق والعبودية slavery وتبعاتها التاريخية ،ومدى أحقية رفع تماثيل رؤساء سابقين من الرعيل المؤسس(بمن فيهم فرانكلين روزفلت ) في المباني العامة والصراع المحتدم القائم على قدم وساق بخصوص قضايا الهجرة والمهاجرين .
تقاطب ايديولوجي حاد بين الحزب الديموقراطي والحزب الجمهوري الذي اشتهر بـــ“ GOP“ لم يعرف البلد مثيلا له بعدما وصلت تداعياته الى كيفية التعاطي مع جائحة كوفيد والتلقيح، حيث تبين الإحصائيات بأن نسب التلقيح تختلف بشكل جذري بين الولايات التي يتحكم فيها الديموقراطيون (مرتفعة )وتلك التي يتحكم فيها الجمهوريون (منخفضة الى متوسطة )، وهكذا فان التقاطب الايديولوجي غير المسبوق أتى حتى على التوافق حول حقائق علمية لا مراء فيها .
بين السخاء الكينزي في الإنفاق العام وقلق سؤال الريادة القطبية في عالم متحول الذي ازدادت حدته بعد الانسحاب من أفغانستان، وسؤال الهوية الذي يعيد إلى الأذهان عنوان كتاب كان قد أصدره صامويل هونتينغتون خلال التسعينيات الماضية تحت عنوان من نحن( who are we ? )، وواقع التقاطب الايديولوجي غير المسبوق بين الحزبين الرئيسيين ، بين هذه الأبعاد الأربعة تتمظهر الاشكالات الكبرى التي تضبط ايقاع الخطابات والسياسات والافعال وردود الأفعال في واشنطن اليوم .
وبهذا سيكون من غير المعقول ولا المنطقي بالنسبة للباحثين في الشأن الدولي، ورجال السياسة والمشتغلين وخبراء الإعلام عندنا، صرف الاهتمام عن تلك التطورات الحاسمة ذات الأبعاد الدولية الكبيرة من باب الالمام والمواكبة على الأقل، فمن غير المنطقي جهل ذلك أو تجاهله و صرف كل الجهد والاهتمام الاعلامي فيما يقوله أو لا يقوله السيد اريك زيمور مرشح الانتخابات الرئاسية الفرنسية، مما لن يصل تأثيره وأثر تداعياته بكل تأكيد الى ما هو أبعد من جبال البيريني في فرنسا .
















