في الوقت الذي يُفترض بأن يشكل التعليم العالي الخاص بالمغرب بديلاً مرناً يدعم المنظومة الوطنية ويوسّع قاعدة الاستفادة من التكوينات العليا، خصوصاً في المجالات الحيوية كدراسة الطب، تبرز مفارقة صارخة تتجلى في فرض عتبة لولوج كليات الطب الخاصةوالصيدلة وطب الأسنان بالمغرب، تصل أحياناً إلى 12 أو 13 من 20، والتي يتم احتسابها بناءً على 75% من المعدل العام للامتحان الوطني للسنة الثانية باكالوريا و 25% من المعدل العام للامتحان الجهوي للسنة الأولى باكالوريا.
فالعتبة المفروضة لولوج التكوين والدراسة في الطب، باتت تطرح تساؤلات حقيقية حول جدوى هذه المقاربة وانسجامها مع منطق الاستثمار التربوي، ذلك أنه حين يُقصى تلميذ راغب في دراسة الطب بمؤسسة خاصة، ليس بسبب ضعف إمكانياته المادية أو تدني مؤهلاته العامة، بل فقط لأن معدله يقل بدرجة أو درجتين عن عتبة رقمية لا تأخذ بعين الاعتبار الفوارق الفردية أو مؤشرات النجاح الفعلي في الدراسات الطبية، فإن الأمر يتجاوز البعد الإداري ليصبح إقصاءً غير مبرر.
هذا وأجمع جل من تحدثت إليهم “الميادين” على أن “شرط العتبة لا يراعي حقيقة تكمن في أن” معدل النجاح في الباكالوريا لا يعكس دائماً الإمكانات الحقيقية للتلميذ ولا مدى قابليته للنجاح في المسار الطبي، إذ تلعب ظروف الامتحان، وضغط الوقت، والبعد النفسي دوراً كبيراً في تحديد النتيجة، وهو ما يجعل من كبوة الحصول على معدل أقل من العتبة مجرد لحظة عابرة لا تختزل قدرات التلميذ ولا تستحق أن تتحول إلى حكم نهائي على مستقبله”.
وزادت ذات المصادر من المتابعين والمعلقين على إشكالية عتبة الطب في التعليم الخاص والتي حولت أمل التلاميذ وعائلاتهم إلى إقصاء ممنهج، بأن “الأصل في التعليم الخاص أنه وُجد لكي يوفر فرصاً بديلة، لا ليعيد إنتاج نفس آليات الانتقاء التي يعاني منها التعليم العمومي الذي يبرر عتبته بضعف الطاقة الاستيعابية وتنافسية المباريات”.
فالمؤسسات الخاصة، وفق هذا الطرح الوراد أعلاه، تفرض رسوماً سنوية تتجاوز 130 ألف درهم، مما يجعلها تراهن على المرافقة البيداغوجية والاستثمار في تكوين الطلبة، لا على انتقاء أولي يفرغها من مضمونها كمؤسسات مفتوحة، وهو ما يجعل هذا المنطق يدفع مئات الأسر القادرة مادياً إلى التفكير في إرسال أبنائها نحو كليات طب في رومانيا أو دول أوروبية شرقية، رغم ما يرافق هذه الخطوة من تحديات تتعلق بالبعد الثقافي، وصعوبة المتابعة، والعيش في بيئة بعيدة عن الوطن.
كما أن هذه الهجرة القسرية للأبناء نحو الخارج بحثا عن أمل ولوج التكوينات التي يرغبون فيها، سرعان ما تعكس فشلاً في تدبير العرض الوطني الخاص، وضغطاً نفسياً على الأسر التي راهنت بكل إمكانياتها على حلم دراسة الطب، لتُصدم بواقع يتعامل معها بمنطق الرفض حتى في مؤسسات مؤدى عنها.
وبناء عليه، أجمع معظم المنتقدين لشرط العتبة الذي لا ينزل عن 12 أو 13 من 20، على أن”استمرار العمل بهذا النوع من العتبات في التعليم الخاص يطرح إشكالية فلسفية تتجاوز الأرقام، وتتعلق بمكانة المتعلم في المنظومة، وبدور المدرسة الخاصة كمؤسسة للفرصة الثانية، لا بوابة إضافية للإقصاء، مشددين على أنه “آن الأوان لإعادة النظر في هذا النموذج الانتقائي، وفتح نقاش وطني حول الأهداف الحقيقية من التعليم الخاص، خصوصاً في القطاعات الحساسة كالتكوين الطبي، حيث يحتاج المغرب إلى المزيد من الكفاءات، لا إلى المزيد من العتبات التي تتحول إلى “سد”.