لم تكن أفكار ماركس أبداً أكثر راهنية مما هي عليه اليوم، إذ أنها في ظل بشاعة الاستغلال الرأسمالي المعولم ضد الشعوب الفقيرة، فقد بانت الماركسية أكثر الحاحاً من أي وقت مضى في التاريخ الحديث والمعاصر.
وإذا ما عدنا إلى ماركس، فالماركسية كعلم هي وعي الضرورة، أي وعي القوانين والظروف الموضوعية في تطابقها الجدلي مع العامل الذاتي (الحزب)، بما يوفر القدرة على التوسع التنظيمي والجماهيري من أجل تحقيق الأهداف الوطنية والمجتمعية، وبالتالي فإننا مدعوون للتعامل مع هذه القوانين الموضوعية، ومنهجها المادي الجدلي، بوعي عميق، يتجاور بالضرورة مع وعينا لكل المكونات السياسية والاقتصادية والطبقية لواقعنا، وبناء على ذلك، فإن الماركسية هي علم القوانين الطبيعية التي تتحكم في سير وتطور المجتمع الإنساني، وهي بهذه الصفة علم متجدد ومتطور لا يقل دقة عن سائر العلوم الطبيعية، فهي علم تطبيق المادية الجدلية على تاريخ المجتمع البشري، بجميع مراحله وأنماطه المختلفة، وهي أيضاً علم عن قوانين علاقة الوعي بالعالم الموضوعي، وعن القوانين العامة للحركة في الطبيعة والمجتمع والفكر البشري، وقد كان ظهور الماركسية في أربعينيات القرن التاسع عشر قد ترافق مع تطور الرأسمالية وتَكَشُّف طبيعتها التناحرية وجوهرها القائم على الاستغلال والقهر.
في هذا الجانب، يقول المفكر الراحل د. صادق العظم، “لا تتميز الماركسية، بأي شيء فريد يخصها دون غيرها، انها استمرار لتقليد علمي – ثوري- تحرري، طويل، عريق، وتتويج له في الوقت ذاته في حقبتنا الحاضرة، علينا أن نؤكد هذه النقطة حتى لا نفقد ذاكرتنا التاريخية، وحتى لا تفقد الماركسية عمقها التاريخي، كذلك علينا ألا ننسى أبداً حكم سارتر الدقيق في مقدمة نقد العقل الجدلي”: “الماركسية هي الفلسفة المعاصرة التي لا يمكن تجاوزها”، كي لا نقع في سطحية الموضات الفلسفية اللماعة والرائجة كثيراً في زمننا، بعبارة أخرى، تبقى الماركسية هي فلسفة العصر النقدية بامتياز طالما بقيت التشكيلة الرأسمالية هي العصر بامتياز”..
الماركسية إذن، هي مجموع هذا المنهج مع هذه القوانين التي تفعل فعلها إلى يومنا هذا، لأن موضوعها مازال موجوداً ألا وهو الرأسمالية، وكل اشكال الاستعمار والاحتلال والاضطهاد والاستغلال الطبقي والسياسي، ما يعني ان الماركسية هي نظام للحياة، يطال البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والروحية، وهي ايضاً – وقبل كل شيء – فلسفة ورؤية فكرية لها نظامها وآلياتها ومن ثم لها تصورها عن المجتمع والحياة، وفق قوانينها، ومنهجها الجدلي، أو ديالكتيكها العلمي المختلف تماماً عن الجدل المثالي الهيغلي، فالماركسي هو من تبنى الماركسية وعياً وممارسة بصورة خلاقة ، وانطلاقاً من المقولة الخالدة “لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية.
المقدمات الأيديولوجية لظهور الماركسية :
كان ديكارت وبابيف وديدرو وفولتير من أبرز أسلاف الفلسفة الماركسية، باعتبارهم من أهم رموز عصر النهضة الذين مهدوا أيديولوجياً للثورات البرجوازية في أوروبا في القرنين 17 و 18 ، كذلك فإن المفكرين الاجتماعيين مثل هوبز / لوك / مونتسكيو / وروسو ، كانوا جميعاً من هؤلاء الأسلاف العظام، فقد كانوا رموز عصر التنوير وأنصار العقلانية الذين وجهوا نقداً عنيفاً للأنظمة الإقطاعية ، وأعلنوا ضرورة إشاعة الحريات المدنية والمساواة بين الناس .. لقد زرعوا بذور التغيير وساهموا في إنضاجها .
أما مصادر الفلسفة الماركسية فهي :
أولاً : الفلسفة الألمانية :
• هيجل (1770 – 1831) أبرز رجالات الفلسفة الكلاسيكية الألمانية ، وقد بلغت هذه الفلسفة ذروتها في مذهبه الذي تكمن مأثرته التاريخية في أنه كان أول من نظر إلى العالم ، الطبيعي والتاريخي والروحي بوصفه عملية ، أي في حركة دائمة ، في تغير وتطور ، إنها عملية ديالكتيكية ، وهو أول من أعطى صياغة دقيقة لقوانين الديالكتيك الأساسية ، لكنه رغم ذلك وقف على أرضية المثالية الفلسفية الخاطئة .
• لودفيج فيورباخ ( 1804 – 1872 ) لعبت فلسفته المادية دوراً هاماً في وضع ماركس وانجلز للرؤية المادية ، لقد وجه فيورباخ نقداً عنيفاً للمثالية الهيجلية ، لكنه عموماً ظل مادياً ميتافيزيقياً ، بسبب أن ماديته لم تتفهم القيمة العلمية لديالكتيك هيجل، كذلك لم يدرك حق الإدراك ماهية الإنسان ، فاعتبره كائناً بيولوجياً فقط ، ولم يتبين الجانب المادي من العلاقات الاجتماعية .
ثانياً : الاقتصاد السياسي الانجليزي :
من المصادر أيضاً، النظريات الاقتصادية التي وضعها كل من آدم سميث (1723 – 1790 ) وديفيد ريكاردو (1772 – 1823 ) وخاصة نظرية القيمة – العمل، التي كان لها أهمية بالغة في تكون المذهب الفلسفي الماركسي ، إن نظريتهما أوضحت ولأول مرة أهمية الأساس الاقتصادي لنشاط الناس ، كما بينا أن تطور المجتمع يرتكز إلى التفاعل الاقتصادي بين الناس، لكنهما (سميث وريكاردو) كونهما من المدافعين عن الرأسمالية ، عملا على تبرير استغلال الرأسماليين للعمال ، وصورا هذا الاستغلال تفاعلاً بين شريكين متكافئين في إطار علاقات السوق ، أما الربح، فاعتبراه مكافأة للرأسمالي على تنظيم الانتاج وإدارته ، المهم أن مذهبهما الاقتصادي كان منطلقاً للبحث اللاحق للعلاقات الاقتصادية وللكشف عن التناقض بين العمل والرأسمال من حيث هو التناقض الأساسي في المجتمع البرجوازي، أما القيمة البارزة لنظريات سميث وريكاردو، فتكمن في انها أرست بداية نظرية القيمة – العمل.
لقد برهن هذان المفكران على ان قيمة السلعة لا تتوقف على خصائصها الفيزيائية، أو على درجة نفعيتها، أو على العرض والطلب، وإنما تتحدد بكمية العمل الاجتماعي، الضروري لانتاجها، بيد أن سميث وريكاردو اعتبرا قانون القمية هذا قانوناً طبيعياً خالداً للعدالة الاقتصادية، حتى ولم تخطر ببالهما فكرة الطابع التاريخي العابر لهذا القانون الاقتصادي.
لقد صورا النظام الرأسمالي على أنه النظام الوحيد الممكن، نظام “طبيعي”، أبدي، يستجيب لمصالح كافة أعضاء المجتمع، وفي معرض برهانهما على قانون القيمة لم يتطرق سميث وريكاردو إلى مسألة أصل فضل القيمة، برغم إقرارهما بأن ربح الرأسمالي يأتي من الإنتاج وليس من تصريف السلع.
إن “عدم الاكتراث بمسألة أصل فضل القيمة أمر مميز للاقتصاديين البرجوازيين عموما، ففيه – كما أشار ماركس- تتجلى الغريزة الطبقية لهؤلاء الاقتصاديين، التي لا تسمح لهم بالتعمق في مشكلات، سيؤدي مجرد طرحها إلى فضح الاستغلال الراسمالي البشع”.
لقد قدر ماركس وانجلز تقديراً عالياً فكرة سميث وريكاردو عن القيمة كتجسيد للعمل الاجتماعي الضروري، لكن مؤسسي الماركسية، مع موافقتهما على صحة هذا الرأي، رفضا الطابع السرمدي للقيمة؛ فليست القيمة، في نظرهما، سوى علاقة اجتماعية تاريخية، عابرة، تتخذ شكل علاقة بين الأشياء، بين منتجات العمل البشري.
وهذا يعني أن الاشياء المصنوعة، لاتتخذ شكل السلعة إلا في ظروف اقتصادية – تاريخية معينة، ذلك إن الإنتاج السلعي ليس سرمدياً، كما أنه ليس الصيغة الممكنة الوحيدة لتبادل النشاط الإنتاجي بين الناس، ومن دراسة قوانين ظهور أسلوب الإنتاج الرأسمالي وتطوره، خلص ماركس وانجلز إلى نظرية فائض القيمة، ومنها – إلى البرهنة على حتمية الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية”.
لقد كان لولادة الاقتصاد السياسي قيمته البالغة الاهمية في وضع الفلسفة الماركسية، ولا سيما الفهم المادي للتاريخ.
ثالثا : الاشتراكية الطوباوية :
أهم الرموز: سان سيمون (1760 – 1825) وفورييه (1772 – 1837) وروبرت أوين (1771 –1858)، وقد لعبت أفكارهم الاشتراكية دوراً هاماً في التمهيد لظهور الفلسفة الماركسية، وخاصة المادية التاريخية، فقد ارتكزت أفكار هؤلاء الرواد على مطالبتهم بضرورة انتشار الملكية العامة ( الجماعية ) والعمل الجماعي، بما يسمح بالقضاء على بؤس الجماهير، لكنهم لم يروا السبل المؤدية إلى التحول الاشتراكي، وأنكروا دور الثورة والصراع الطبقي، أو لم يفهموه، واعتبروا أن الطريق إلى الاشتراكية يمر عبر التنوير وتعاون الطبقات، وهو أمر مستحيل، تلك هي مثاليتهم.
لقد تميز الاشتراكيون الطوباويون عن أسلافهم – طوباويي القرنين السادس عشر والسابع عشر، بأنهم عاصروا رأسمالية أكثر نضجا، ولذلك كان نقدهم للرأسمالية أحد الجوانب القوية في آرائهم.
لقد أشاد ماركس وانجلز بالأفكار العقلانية القَيِّمَة لدى سان سيمون وفورييه وغيرهما من الاشتراكيين الطوباويين، لكن مؤسسي الماركسية أشارا، في الوقت ذاته، إلى تهافت التصورات الطوباوية حول طرق الانتقال إلى الاشتراكية، وانتقدا الأسس المثالية لآراء الاشتراكيين الطوباويين، ونفيهم للدور التقدمي، الذي يلعبه الصراع الطبقي، وانعزالهم عن الحركة العمالية، وميلهم للمساومة مع الطبقات المسيطرة.
وحين “صاغ ماركس وانجلز شكلاً جديداً متقدماً من الفلسفة المادية، لم يكتفيا بالمعالجة النقدية الثورية للمذاهب الاجتماعية السابقة، بل قاما، أيضاً، بالتعميم النظري للاكتشافات العظمى في علوم الطبيعة في القرن التاسع عشر، التي كانت قد شارفت على طرح ضرورة الفهم المادي –الديالكتيكي للطبقة، وهكذا جاء ظهور الماركسية استجابة لمتطلبات الواقع الاجتماعي الجديد، ونتيجة لمجمل التطور السالف للمعرفة البشرية”.
أخيراً، على ضوء الإنجازات النظرية لأبرز رجالات الفلسفة والاقتصاد السياسي، والاشتراكية الطوباوية، وضع ماركس وانجلز نظرية فلسفية جديدة، كل الجدة، تجمع لأول مرة في تاريخ العلم بين المادية الفلسفية والمنهج الديالكتيكي، وتعطي تفسيراً علمياً لحياة المجتمع البشري، وبفضلهما تحول العلم الفلسفي ليصبح أداة بيد الطلائع المثقفة والقوى الكادحة والبروليتاريا في نضالها لتغيير العالم.
















