تتواصل ردود الأفعال الغاضبة الصادرة عن مكونات العدالة من قضاة وموظفين ومحامين وغيرهم، بخصوص شروع المسؤولين القضائيين بالمحاكم المغربية منذ يوم أمس الإثنين 20 دجنبر 2021 في تنزيل قرار الدورية المشتركة للرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئيس النيابة العامية وزميليهما وزير العدل، والمتعلق بفرض”الجواز الصحي”لولوج المحاكم.
آخر هذه الردود على قرار عبد النباوي ووهبي والداكي، جاءت من النقيب عبد الرحيم الجامعي، الذي وجه بهذا الخصوص رسالة إلى الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية محمد عبد النباوي وزميله رئيس النيابة العامة الحسن الداكي، يطلب منهما كما قال في رسالته التي نشرها مساء يوم أمس الإثنين على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي، الحفاظ على استقلالية مؤسستيهما، وتجنب الزواج غير الشرعي مع السلطة التنفيذية، قبل ان يختم رسالته بتقديم طلبه المستعجل كما وصفه، وهو يطلب من الرئيس المنتدب ورئيس النيابة العامة بان” يوقفا الجائحة القضائية التي تضرب من جديد المحاكم والعدالة”، على حد تعبير رسالة النقيب عبد الرحيم الجامعي الموجهة لعبد النباوي والداكي.
وكانت الدورية المشتركة لفرض الزامية الجواز لولوج المحاكم الموقعة من قبل الرئيس المنتدب ورئيس النيابة العامة ووزير العدل، قد أثارت ضجة كبيرة وانتقادات قوية للموقعين عليها، حيث اتهم وزير العدل عبد اللطيف وهبي بتوريط محمد عبد النباوي والحسن الداكي، في التوقيع على هذه المذكرة المشتركة التي جرى تعميمها على رؤساء المحاكم والوكلاء العامين ووكلاء الملك، يطلبون منهم اعتماد”الجواز الصحي”في حق الجميع من قضاة وموظفين ومحامين ومتقاضين كشرط الزامي للولوج إلى المحاكم، وهو ما عقد من الوضعية القانونية لرئيس المجلس العلى للسلطة القضائية وزميله رئيس النيابة العامة المفروض فيهما الحياد حتى يمكنهما التدخل في حال نشوب حالة احتقان أو خلاف بين وزير العدل و القضاة والموظفين والمحامين الرافضين لقرار الزامية”جواز التلقيح”لولوج المحاكم.
واعتبر أصحاب هذا الموقف، بأن السلطة القضائية و رئاسة النيابة العامة تتحملان هما أيضا مسؤولية إقحام مؤسستيهما في هذا السجال، بحيث كان يجب أن يحافظا على مسافة كافية من وزارة العدل ، على اعتبار أن الجهة التي يجب الاختصام أمامها حول هذه القرارات قد تحولت بموجب الدورية الثلاثية إلى طرف في هذا النقاش في مس صريح باستقلالية السلطة القضائية كما أقرها الدستور المغربي.
وزاد أصحاب هذا التوجه، بأن الدورية المشتركة حول فرض الجواز، شكلت مسا صريحا من طرف السلطة التنفيذية بالسلطة القضائية،و منذ استقلالها لأول مرة يجد القضاة أنفسهم في وضعية خضوع للسلطة التنفيذية، في حين كان من المفروض ترك السلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة بعيدتين عن هذا السجال وحالة الاحتقان التي تعرفها محاكم المملكة، وذلك حتى يبقى للمواطن و للمحامي جهة قضائية يخاصم أمامها في حال تم منعه من الولوج للعدالة، لكن عبد النباوي والداكي بتوقيعهما على دورية وزير العدل وهبي، تسببا في تغييب الجهة القضائية كحكم بعدما ظل موضوع تدبير الجائحة من مهام السلطة التنفيذية (الحكومة) وليس السلطة القضائية.
“الميادين نيوز” تعيد نشر رسالة النقيب الجامعي الموجهة لعبد النباوي والداكي
رسَالة للرئيسِ المنتدَب ولرئِيس النيَابة العَامة
حافظوا على استقلالكم وتجنبوا الزواج غير الشرعي مع السلطة التنفيذية
اوقفوا الجائحة القضائية التي تضرب المحاكم والعدالة من جديد…
النقيب عبد الرحيم الجامعي
انتم في السلطة القضائية لستم تابعين للسلطة التنفيذية، أو منفذين لتعليماتها أو لرغباتها، فلا حق لكم أن تجعلوا المحاكم ملحقات للولايات او للباشويات تحاصرها سيارات الشرطة لتمنع المحامين من ولوجها، حافظوا على لباسكم المدني وقبعاتكم القضائية لكي تظلوا أمام المتقاضين قضاة وأمام الدستور سلطة قضائية مستقلة، فان كنتم على استعداد للتنازل عن استقلالكم فان المحاميات والمحامين سيواجهن وسيواجهون كل اتجار سياسي او اداري بمبادئ الدستور وباستقلال القضاء، والمطلوب و المفروض ان تظلوا في كراسيكم قضاة فقط ، فانحيازكم للسلطة التنفيذية ولقراراتها ولاجراءاتها يفقدكم مصداقيتكم ويشكك في مدى استقلاليتكم، ورسالتم المشتركة لاقيمة قانونية لها لكنكم جعلتم منها ” قانونا للأقوياء” فرضتم بها ما شيتم من الإجراءات على نساء و رجال المحاماة، تدركون باليقين انه لا حق لكم اتخاذها و تطبيقها وفرضها بالقوة….
اقول لكم رايي بغيرتي التي لا اساوم عليها، لانه قبل اكثر من سنة، جر علينا قرار الرئيس المنتدب سابقا للمجلس الاعلى للسلطة القضائية الصادر بتاريخ 16 مارس 2020 انتكاسة مهنية وقضائية لا زالت آثارها قائمة امامنا وامام الفاعلين في مجال القضاء، مرتفقين و قضاة ومحامين وموظفين ومعهم باقي مساعدي القضاء، ذلك القرار الفردي الذي نزل عند بداية الكوفيد و الذي اتخذه سريا دون سابق اشعار او حوار او اخبار او تقدير او تقييم ، فامر بواسطته كل المسؤولين القضائيين باغلاق الجلسات وتاخير الملفات والذين استجابوا لتعليماته ونفذوها بسرعة ودون نقاش، فتوقف سير المرفق بكامله وتم اخلاء المحاكم وضرب الحصارعليها كي لا يلج الى قاعاتها ومصالحها لا محامي ولا مناقضي مع استثناءات ضعيفة ، وهي تعليمات لم يكن من حقه اتخاذها لانها غير دستورية و تمس استقلال القاضي وتدفعه لارتكاب انكار للعدالة ، ….وظل الجميع امام الشطط صامتا.
وتسبب انذاك اول مسؤول على اعلا الهرم القضائي بالمغرب بقراره التحكمي في جائحة مُحرقة اتت على القضاء والمحاكم والمحامين والمتقاضين، فعرقلت سير المرفق القضائي وقتلت حيويته بأكثر الاضرار التي تسبب فيها الكوفيد…
و قبل أيام قليلة، تُكرر من جديد السلطة القضائية بواسطة ” رسالة ” وقعها الرئيس المنتدب ورئيس النيابة العامة ووزير العدل نفس الخطا لكن باسلوب خطير و مهين، إذ بواسطتها اتفقوا فيما بينهم منع ولوج المحاكم لمن لا يتوفر على الجواز او لمن لا يدلي به ببواباتها ابتداء من الاثنين العشرين من دجنبر” الحرام ” ، فحرموا على المحامين ممارسة مهامهم داخل المحكمة وسلبوا منهم حرية و حقوق الدفاع بجرة قلم حبر و بتوقيع متسرع وبعيون لم تقرا النص ببصيرة.
اليوم صفحة تاريخية مثيرة للخوف تجتمع فيها السلطتان وتختلط وتتوحد ضد المحامين وضد السير العادي للمحاكم والجلسات.
اليوم يشهد التاريخ ان السلطتين معا القضائية والتنفيذية، تجتمعان لاختيار اجراء باسلوب ينتهك مقومات الدستور وحقوق الانسان وحقوق المتقاضين دون رقيب ولا حسيب، ليعلنان حالة استثناء، لاسباب لا تستحق اتفاق الاركان العامة القضائية والتنفيذية.
اليوم تقود السلطة القضائية والسلطة التنفيذية حملة غير مسبوقة ملطخة بالشطط ضد هيئات الدفاع بكامل التراب الوطني، مستعملة من اجلها قوات الامن و الشرطة العلنية والسرية، و حواجز بشرية ببوابات المحاكم، بكل مظاهر التخويف وعلامات التهديد التي استنفرتها لمهمة غير دستورية .
انتم بالسلطة القضائية اصحاب الولاية على سير مرفق القضاء منعتم المحامين من ولوج المحاكم الا بالجواز، لكنكم تعلون وتعلم معكم السلطة التنفيذية بان عشرات الآلاف من المواطنين يستعملون يوميا القطارات ويلجونها دون الالتفات للجواز، وتعلمون بان القطارات اكثر وبكثير من المحاكم ازدحاما ومعرضة اكثر لمخاطر العدوى، فما هو موقفكم منها وما موقف زملاؤكم بالحكومة.
انتم بالسلطة القضائية تمنعون المحامين من ولوج المحاكم الا بالجواز، لكنكم تعلمون بان أكبر المراكز التجارية واكبر الاسواق واكبر الحانات واكبر محطات الوقود واكبر المطاعم واكبر مواقف السيارات واكبر المراقص، واكبر الفنادق و و و ، يراودها عشرات الآلاف يوميا دون رخصة ولا جواز ولا مراقبة …فلماذا اتفقتم مع زملائكم بالحكومة على إجراءات ضد المحامين…
إن رسالتكم المشتركة إهانة توجه لنساء ولرجال الدفاع بكل الاسف، اخترتموه باسم الحذر و باسم الوقاية وباسم الاجراءات الصحية، وكلها إن كانت في مبدئها يمكن القبول بها دون معارضة، لكن كان عليكم اختيارها وتدبيرها باساليب حكيمة، ومنهجية اكثر ذكاء، تقوم على ترك وتفويض الامر للجهات المعنية محليا بداخل كل محكمة وهي هيئة المحامين و المسؤولين القضائيين، فهم من يُقدر واقع حال المحكمة و ما يحتاجه تنظيم الوقاية من اجراءات بعيدا عن القوة و الحواجز الحديدية والحصار .
ان اتفاقكم مع السلطة التنفيذية على اجراءات بعيدة عن اختصاصاتكم وغير مشروعة سيجر مستقبلا مخاطر عليكم وعلى حق المتقاضين في ان تظلوا مستقلين بكل معاني الاستقلال، انكم لن تستطيعوا التخلص منها بسهولة ، فاستقلالكم مسؤولية تفرض عليكم التصرف تحت قيودها، و استقلالكم حق للمتقاضين عليكم.
إن استقلالكم قيد دستوري على اعناقكم وعلى ايديكم لا يمنحكم صكا للتخلي عنه و تصريفه لفائدة سلطة اخرى مهما كان الامر مما كان يفرض عليكما بالسلطة القضائية ان تتخذا نفس ما اتخذه زميليكم رئيس محكمة النقض الفرنسية والوكيل العام بها القاضيان Bernard Louvel et Jean Claude Marin في رسالتهما المشهور للوزير الاول الفرنسي بتاريخ دجنبر 2016.
الرباط بتاريخ : 20 دجنبر 2021