ملخص:
إن ظاهرة التهرب الضريبي ظاهرة عالمية، فهي لا تخص الدول السائرة في طريق النمو فقط دون أخرى، فهي ملازمة للنظام الضريبي، وتعد إحدى المعوقات الأساسية للتنمية الاقتصادية والوفرة المالية، والتي تستوجب محاربتها بصفة مستمرة وبمجرد اكتشافها.
والواقع أن تداول مفهوم التهرب الضريبي جاء بعد جرد كل السلوكات السلبية تجاه الأداء، فبات إذاك تداول مفهوم التهرب الضريبي بشكل عام ليقصد به كل من السلوكيات التالية، من: غش- تملص- امتناع[1] مع ضرورة إبراز نقط الإختلاف بين كل هذه الأشكال.
لذلك، فموضوع هذه الدراسة يتناول بالبحث والتمحيص ظاهرة التهرب الضريبي من مختلف نواحيها وجوانبها وحيثياتها، الأمر الذي تطلب منا مجهودا مضاعفا من أجل البحث عن مختلف المفاهيم المرتبطة بموضوع التهرب الضريبي، وأيضا عن الآثار المرتبة عنه سواء على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، محاولين إبراز مختلف الوسائل الإدارية التي تستخدمها الإدارة الضريبية من أجل الردع والتقليل من هذه الظاهرة، وأيضا الوسائل القانونية الزجرية التي تحد من تأثيراتها على مالية الدولة بالخصوص.
****************
المطلب الثالث: آثار التهرب الضريبي:
تشكل ظاهرة التهرب الضريبي ظاهرة سلبية وغير صحيحة وذات أثار بالغة الخطورة سواء كانت على الناحية الاقتصادية أو الناحية المالية أو الناحية الاجتماعية. فهذه الظاهرة تعد تقويضاً لفعالية جهود الدولة في تحقيق التنمية المالية والاقتصادية والاجتماعية. والملاحظ أنه كلما زاد حجم التهرب الضريبي زادت آثاره السلبية على كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية والمالية.
الفقرة الأولى: الآثار الاقتصادية:
تعمل الدولة لتحقيق ما تصبو إليه من تنمية اقتصادية، على استخدام الضريبة كأداة لدفع مختلف قطاعات النشاط الاقتصادي لتعمل بأقصى معدلاتها مـع المحافظة على النمو المتوازن بين القطاعات الصـناعية والزراعيـة والخـدمات. فالنظام الضريبي الذي تتخذه الدولة يستند على ما يكفي من الحوافز لتشجيع الاسـتثمار فـي مجـالات التنمية المطلوبة، حيث تستخدم فيها الإعفاءات والتصاعد الضريبي لتحقيق أهداف العدالة فـي توزيـع الدخول والحوافز لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية.
غير أن التنمية الاقتصادية عندما تستند إلى النظام الضريبي كأساس لها، فإنها تتأثر بمدى امتثال الملزمين في أداء التزاماتهم الجبائية دون تهرب أو غش. وما دام أن الازدهار الاقتصادي مرهون بتكافؤ الفرص وتعادل الالتزامات والحقوق بالنسبة للفاعلين الاقتصاديين، فإن المتهرب الضريبي من الفاعلين الاقتصاديين تكون تكلفة إنتاجه أقل من تكلفة إنتاج الفاعلين الاقتصاديين أو المنشآت الاقتصادية الأخرى. و هذا مما يخل بقواعد المنافسة المشروعة، و يؤدي بالتالي إلى انكماش اقتصادي نتيجة إفلاس المؤسسات التي تعجز عن المنافسة[17].
كما أن التهرب الضريبي يؤدي إلى انخفاض حجم الإيرادات الحكومية وبالتالي انخفاض الإنفاق الحكومي على الاستثمارات وعرقلة مشاريع التنمية. وبالتالي تلجأ الحكومة إلى رفع سعر الضريبة لسد العجز الحاصل في الإيرادات. كما أنها تلجأ إلى عملية الاقتراض لتمويل مشاريعها سواء عن طريق القروض المحلية أو الخارجية وما يشكله ذلك من إنهاك لإيرادات الدولة وتحولها لخدمة الدين العمومي عوض تحقيق التنمية.
ومن جهة أخرى يؤثر التهرب الضريبي على الميزة التنافسية بين الشركات والوحدات الاقتصادية، حيث أن الملزمين الذين لا يدفعون الضرائب أو يتهربون من أدائها تقل التكلفة عليهم وبالتالي تتسع هوامش الربحية في مشروعاتهم. وبالتالي فإن هذه الظاهرة تساهم في ظهور الاقتصاد الخفي الذي يعمل خارج سيطرة القانون. فالمبالغة في فرض الأعباء الضريبية وتهرب الملزمين من أدائها تؤدي إلى انخفاض حصيلة الضرائب وذلك من خلال إخفاء الأنشطة الاقتصادية، بحيث يسود الاقتصاد الموازي والتهريب بجميع أشكاله وفي جميع المناحي الاقتصادية، خاصة وأن سبله أصبحت متوفرة مع سيادة الحواسب الإلكترونية وتطور وسائل الاتصال اللاسلكي التي عبرها يتم البيع وأداء الخدمات[18].
الفقرة الثانية: الآثار الاجتماعية:
يتسبب التهرب الضريبي في انخفاض الموارد الجبائية التي تشكل عنصرا أساسيا على مستوى الادخار والاستثمار. كما أنه يؤدي إلى انعكاسات وخيمة على السياسة الاقتصادية والاجتماعية خاصة فيما يتعلق بتوجه الاقتصاد الوطني، مما يؤدي إلى تسببه في انخفاض مستوى الإنتاج وانتشار البطالة والفقر ثم مساهمته في التوزيع غير العادل للدخول والثروات بين مختلف مكونات المجتمع. وهو ما يعيق تحقيق عدالة اجتماعية[19].
وإذا كانت الضريبة تعد أحد مظاهر التضامن الاجتماعي، فإن التهرب الضريبي يعد إخلالاً خطيراً بمبدأ التضامن الاجتماعي وإهدارا سافرا للعدالة الاجتماعية التي هي أساس فرض الضرائب. فالتهرب الضريبي ينعكس بشكل طردي على قيم التضامن الاجتماعي بين أفراد الأمة الواحدة. حيث أصبح مفهوم العدالة الاجتماعية بمعناها الواسع يعني مراعاة الأوضاع الشفهية للملزم ومراعاة مقدار الدخل بحيث يعفى منه القسم الضروري للعيش وتفرض معدلات تصاعدية على الباقي وترتفع كلما ارتفع الدخل.
كما أن أهم الأهداف التي تسعى الدولة لتحقيقها من فرض الضرائب يتمثل في إعادة توزيع الدخول ومصادر الثروة الأخرى، ويتحقق ذلك باستخدام الضرائب التصاعدية بحيث يدفع ذوي الدخل المرتفع ضريبة نسبية أعلى من تلك التي يدفعها ذوي الدخل المحدود مع مراعاة وجود الأنفاق الحكومي. غير أن التهرب الضريبي يؤدي إلى المزيد من أنواع التهرب، حيث يأخذ شكلا” شمولياً بمعنى أن التهرب من الضريبة قد يؤدي إلى التهرب من ضريبة أخرى.
واعتبارا لذلك فإن تقييم حجم تأثير التهرب الضريبي وانعكاساته على الفعالية الاجتماعية ومعها الفعالية الاقتصادية، الفعالية في استخدام القدرات والإمكانيات المتاحة في المنظمة لتحقيق الأهداف العامة والخاصة، من حيث إدارة الوقت وسرعة الانجاز وإدارة النوعية وتحفيز المهارات البشرية ودفعها إلى الإبداع والابتكار، مما يحقق الاستمرار والنمو والتطوير الدائم.

















