أية مدينة نريد؟ هذا هو السؤال المغيب في كثير من النقاشات، وإن طرح يطرح خافتا معزولا، عوض أن يكون في صلب النقاش العمومي ( إن وجد ) حول المدينة وسبل تمكينها من الإنخراط في تنمية مستدامة، ويبدو أن محطة إعداد البرنامج التشاركي للجماعة الترابية ستكون مناسبة للفاعلين الترابيين كل من موقعه لرسم ملامح المدينة التي نريد.
بالإضافة للبرنامج التشاركي الذي يندرج ضمن الحكامة المحلية والديمقراطية التشاركية، قد يخلق البحث العمومي بمناسبة إقرار تصميم التهيئة شروط نقاش عمومي مرتبطة بإعداد المجال وتهيئته والمرافعة من أجل تهيئة مدمجة للجماعة الترابية ومحيطها المفترض أن يشكل مجالا لتوسيع مدارها الحضري، ونعتقد في هذا السياق أنه قد يكون من الأفيد الإنتباه إلى أهمية ضابطة تصميم التهيئة في البحث العمومي المرتبط بتصميم التهيئة، فهذا الأخير ليس وثيقة تعمير فحسب بل هو وثيقة لتهيئة المجال وهو ما تبينه الضابطة في تحديد أسس اختيارات التنطيق، في هذا الصدد ينبغي التأكيد على أهمية تنفيذ الجماعة والإدارة للتجهيزات العمومية المبرمجة في تصميم التهيئة وخاصة فتح المحاور الطرقية لما يمكن أن يترتب عن ذلك من أنشطة اقتصادية وانعكاساتها على سوق الشغل والرفع من الموارد المالية الذاتية للجماعة، علاوة على ذلك نعتقد في ضرورة تفعيل الجماعة لحق النظر والمتمثل في مراقبة أشغال البناء والتعمير خارج المدار الحضري على امتداد شعاع محدد بالقانون لضمان تطبيق سليم لتصميم التهيئة والبرنامج التشاركي، وإلا ستضطر الجماعة الترابية للإرتكان لتعطيل برامجها في ما يتعلق بتهيئة المجال وتجهيزه، والعمل على إعادة تأهيل الأحياء المضافة المنعدمة التجهيز والتأهيل أساسا.
نعتقد في ما سبق من بين المداخل الأساسية لتحديد أية مدينة نريد أن تكون عليها مدينتنا، إن النقاش العمومي بهذا المعنى مرتكز أساسي ودعامة رئيسية لتحديد معالم وتوجهات مدينة غنية بتعددها الثقافي وروافده، وإمكانياتها ومؤهلاتها الطبيعية وموقعها الجغرافي.
تحتاج مدينتنا الكثير من الحب.
محاولة لفهم ما جرى
طورت مدينة صفرو – عبر تاريخها الضارب في القدم – ممارسات مدينية وأدوات للسياسة المحلية جعلت منها واحدة من أهم المدن العتيقة بالمغرب، راكم أهل صفرو خبرات متعددة في تدبير المجال قوّت جاذبية الموقع الذي تحول من ” انزالة ” على طريق السلطان إلى مدينة بمقوماتها المعمارية وأحياءها الوظيفية، وتعددها الثقافي والإثني، وتنظيماتها: اجماعة، حنط،زوايا دينية…
كانت تهيئة المجال نقطة قوة في هيكلة المدينة ومحيطها شكل التوازن الخلاق بين المجال العمراني والمجال الزراعي مرتكزه الأساسي، إذ عمد أهل صفرو على تهيئة الأراضي القابلة للري المحيطة بالمدينة، وأمنوا سقيها بواسطة شبكة للسواقي مشكلين بذلك غوطة عرفت تقليديا بواحة صفرو، أمنت حاجيات السكان من الخضر والفواكه، في حين خصصت الأراضي البور للغراسات الكبرى، أما المدينة فقد تأسست حول الجامع الكبير، وحوله تحلقت الأحياء الوظيفية، هذا ما وجدت عليه فرنسا حين دخولها لمدينة صفرو في يونيو 1911.
استثمرت فرنسا تراكمات التدبير الحضري والمؤهلات المدينية لصفرو، فوسعت مدارها الحضري على مراحل لفتح مناطق جديدة للتعمير مع ما رافق ذلك من شبكة طرقية، ولتأهيلها وتمكينها من التجهيزات والمرافق العمومية،بالإضافة إلى الحفاظ على مقومات النسيج الحضري العتيق من خلال تصنيف الاسوار والابراج والابواب ( ظهير 1926) وكذا احداث حزام لمنع البناء حول الاسوار، بالاضافة الى القرار البلدي بثابة ضابطة التعميرطبقا لمقتضيات قانون التعمير لسنة 1952، وعززت ذلك بتشكيل لجنة بلدية لتدبير المدينة ارتقت إلى مجلس بلدي تفعيلا لظهير 1917، وبذلك راكمت المدينة تمدينا وممارسة حضريتين تعززت بترسانة من القوانين المختلفة: ظهائر، مراسيم وقرارات بلدية مستمرة لتدبير المجال وتحسين شروط عيش الساكنة.هكذا ورثت مدينة صفرو من الفترة الإستعمارية مدينة منسجمة مع مجالها، متعددة بطوائفها وثقافاتها، وجمعياتها الأهلية وفنادقها وحدائقها، وشبكة طرقها، واقتصاد يلبي حاجياتها الأساسية..وورثت المدار الحضري الذي تم ترسيمه سنة 1944 واستمر العمل به الى سنة 1981.
كان توسيع المدار الحضري لمدينة صفرو سنة 1981 استجابة لإرتفاع الطلب على السكن وظهور أحياء ناقصة إن لم تكن منعدمة التجهيز خاصة بحي كاف المال، غابة بلحمر وشعبة زلاغ بغرض إعادة تأهيلها، وفتح مناطق جديدة للتعمير مثل تجزئة بئر انزران التي أقيمت فوق حديقة التجارب، بالإضافة إلى الموارد المالية التي يمكن أن تنتج عن فتح مناطق جديدة للتعمير أو إعادة تأهيل الأحياء الناقصة التجهيز، ولعل الذاكرة الجماعية تحتفظ بإجلال الموقف الصارم للمأسوف عليه السّي محمد يخلف المتمثل في ضرورة استخلاص رسم التجهيز الأولي من ساكنة حي حبونة.
توسع المدار الحضري لمدينة صفرو بعد سنة 1981 مرات عديدة بغاية احتواء الأحياء المضافة من دون تمدين ولا تجهيزات ولا مرافق عمومية، بموازاة مع التراجع المهول في تنطيق الأحياء وتراجع وظائفها، وتفشي الترامي على الملك العمومي وبدونة المدينة.

صفرو في 26 شتنبر 2021
















