أثار تصدر حزب الاصالة والمعاصرة للنتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية لسنة 2026 نقاشا سياسيا ودستوريا حول الشخصية التي يمكن ان تقود الحكومة المقبلة. ووفق النتائج المؤقتة المعلنة رسميا في 24 شتنبر 2026، حصل الحزب على 97 مقعدا، متقدما على التجمع الوطني للاحرار والاستقلال.
وفي الوقت الذي كان يفترض فيه أن ينصب النقاش في مثل هذه اللحظات السياسية، على البرامج والتحالفات والكفاءة في تدبير السياسات العمومية، برز نقاش اخر حول امكانية تولي امرأة رئاسة الحكومة، وربط البعض اسم فاطمة الزهراء المنصوري بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة».
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: هل نناقش مؤسسة دستورية معاصرة بمنطق البرامج والاختصاصات والمسؤولية السياسية، ام نحول جنس المرشح او المرشحة الى معيار سابق على كل نقاش في الكفاءة والانجاز؟ ذلك أن الحديث النبوي المذكور حديث صحيح رواه البخاري، وقد ورد عندما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ان الفرس ولوا عليهم ابنة كسرى. وهذه الواقعة التاريخية ثابتة في رواية الحديث نفسها.
لكن الانتقال من صحة الحديث الى تحديد كيفية تنزيله على المؤسسات السياسية المعاصرة ليس مسألة محسومة بالبساطة التي يقدم بها احيانا في النقاش العام، فهناك اتجاه فقهي تقليدي يرى عموم دلالة الحديث على الولاية العامة، في حين تعتبر قراءات فقهية معاصرة، من بينها ما صدر عن دار الافتاء المصرية، ان الحديث ورد في واقعة سياسية مخصوصة مرتبطة بملك فارس، ولا يصح تحويله اليا الى قاعدة تمنع المرأة من مختلف صور المسؤولية العامة المعاصرة.
وبناء عليه يمكن ان يقع الاختلاف الفقهي، ويمكن لكل طرف أن يقدم ادلته، لكن ما لا ينبغي ان يحدث هو تحويل النص الديني الى اداة للتشهير بالمرأة او الانتقاص من قدراتها الانسانية والعقلية والسياسية.
كرامة المرأة ليست موضوعا انتخابيا.
المرأة التي نناقش اليوم اهليتها لتدبير الشأن العام هي نفسها الام والاخت والابنة والاستاذة والطبيبة والقاضية والمهندسة والوزيرة والبرلمانية والمسؤولة الادارية. وقد منحها الدستور المغربي، الى جانب الرجل، الحقوق والحريات المدنية والسياسية على قدم المساواة، ونص في الفصل 19 على سعي الدولة الى تحقيق مبدأ المناصفة بين النساء والرجال.
ومن الناحية الدستورية، فان السؤال يبدو أكثر وضوحا، ذلك أن الفصل 47 من الدستور لا يتحدث عن جنس رئيس الحكومة، بل ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات اعضاء مجلس النواب وعلى اساس نتائجها.
وبعد تشكيل الحكومة، لا تصبح منصبة لمجرد اختيار اعضائها؛ فالفصل 88 يجعل برنامجها موضوع مناقشة وتصويت داخل مجلس النواب، ولا تعتبر الحكومة منصبة الا بعد حصولها على ثقة الاغلبية المطلقة لاعضاء المجلس.
قواعد اللعبة الدستورية.
النقاش حول وقوف رئيسة حكومة محتملة في هذا الصف او ذاك اثناء الصلاة، او حول تفاصيل بروتوكولية ودينية لا يحددها الدستور ضمن شروط تولي المنصب، ينقل النقاش من جوهر المسؤولية السياسية الى مسائل هامشية، فرئيس الحكومة، رجلا كان او امرأة، لا يختار لامامة مسجد ولا لرئاسة مجلس علمي أو اصدار الفتاوى، بل إنه يوجد على رأس سلطة تنفيذية تدبر سياسات عمومية تمس حياة ملايين المواطنين: التعليم، الصحة، التشغيل، الاستثمار، الحماية الاجتماعية، الاسعار، الماء، الطاقة، الادارة، الاقتصاد، الثقافة والعلاقات الخارجية.
فالدستور نفسه يحدد هذا المعنى بوضوح عندما ينص على ان الحكومة تمارس السلطة التنفيذية، وتعمل تحت سلطة رئيسها على تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين، ومن هنا ينبغيأن يتغير السؤال: ليس: هل تستطيع امرأة ان تكون رئيسة للحكومة؟ ليصير : ماذا تملك الشخصية المرشحة، رجلا كانت او امرأة، من تجربة سياسية وتدبيرية؟ ما سجلها في المسؤوليات السابقة؟ ما تصورها الاقتصادي والاجتماعي؟ هل تستطيع قيادة فريق حكومي متجانس؟ هل تستطيع التفاوض وبناء اغلبية مستقرة؟ وهل يمكن محاسبتها بعد ذلك على النتائج؟
أسئلة سياسية حقيقية.
إن اختزال النقاش في كون المسؤول امرأة، فهو يعفينا من بذل الجهد الفكري اللازم لتقييم البرامج والنتائج ويستبدل النقاش السياسي الجاد بحكم مسبق قائم على الجنس، ومن حق من يعارض فاطمة الزهراء المنصوري سياسيا ان يعارضها. ومن حقه نقد تجربتها وتوجهات حزبها وبرنامجه وتحالفاته وقراراتها السابقة والمستقبلية. بل ان هذا هو جوهر الديمقراطية.
لكن النقاش يصبح مختلفا حين تكون الحجة الاساسية ضدها انها امرأة، عندئذ لا نكون امام تقييم سياسي لشخص بعينه، بل امام سؤال اعمق يتعلق بنظرة المجتمع الى النساء والى قدرتهن على ممارسة السلطة والمسؤولية، ذلك أن المجتمعات لا تتقدم فقط بتغيير القوانين والمؤسسات؛ انها تتقدم كذلك عندما تصبح قادرة على اعادة النظر في الصور النمطية التي صنعتها عبر عقود.
قد يكون الاختلاف حول شخص فاطمة الزهراء المنصوري مشروعا، مثلما هو مشروع حول اي زعيم سياسي اخر. وقد يختلف المغاربة حول حصيلتها وبرنامجها واولويات حزبها وتحالفاته، لكن المعيار المنطقي في النهاية واحد: المسؤولية السياسية تناقش بالكفاءة والبرنامج والسجل والقدرة على الانجاز والمحاسبة، لا بجنس من يتولاها.
ولعل التحدي الحقيقي الذي تكشفه هذه اللحظة ليس فقط معرفة من سيقود الحكومة المقبلة، وانما معرفة ما اذا كان النقاش السياسي المغربي قد بلغ من النضج ما يسمح له بان يناقش امرأة سياسية بالطريقة نفسها التي يناقش بها رجلا سياسيا: ماذا انجزت؟ ماذا تقترح؟ وما الذي تستطيع تحقيقه؟ فعتدما نصل الى ذلك، سيكون السؤال عن المرأة في السياسة قد فقد كثيرا من معناه، وسيبقى السؤال الذي يجب ان يوجه كل ديمقراطية جادة: من يستطيع أن يدبر أفضل؟ ومن يتحمل ربط المسؤولية بالمحاسبة أمام المواطنين؟















