لم تعد الداخلة مجرد نقطة على الخريطة الأطلسية، ولا ميناؤها المرتقب مجرد مشروع للبنية التحتية ينتظر اكتمال الأشغال. فزيارة وفد من القسمين الاقتصادي والسياسي بالسفارة الأمريكية بالمغرب إلى ميناء الداخلة الأطلسي تفتح الباب أمام قراءة أوسع لتحول هذا المشروع إلى ورقة اقتصادية واستراتيجية ذات أبعاد إقليمية ودولية.
الرسالة الأبرز في هذه الزيارة أن الاقتصاد أصبح، بصورة متزايدة، أحد مفاتيح الحضور الدولي في الأقاليم الجنوبية. فالوفد الأمريكي لم يكتفِ بالاطلاع على المشروع، بل جاءت الزيارة في سياق تؤكد فيه واشنطن اهتمامها بتعزيز الشراكة الاقتصادية مع المملكة، وهو ما يمنح ميناء الداخلة الأطلسي قيمة إضافية تتجاوز وظيفته اللوجستية المباشرة.
السفارة الأمريكية بالمغرب أكدت أن الميناء مشروع استراتيجي يتمتع بإمكانات واعدة لتعزيز الربط الإقليمي وتوسيع آفاق التجارة والاستثمار. وهذه العبارة، وإن بدت اقتصادية في ظاهرها، تحمل دلالات أعمق؛ فحين تنظر قوة دولية إلى مشروع بعينه باعتباره منصة محتملة للربط والتجارة والاستثمار، فإن الأمر يتعلق في جوهره بموقع المشروع داخل منظومة المصالح الدولية المتحركة.
والأكثر إثارة أن الزيارة تأتي بعد تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للملك محمد السادس حرص الولايات المتحدة على تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع المغرب، بما يشمل الصحراء المغربية. وهنا يصبح توقيت الزيارة جزءاً من المشهد، لا تفصيلاً عابراً.
فالرهان المغربي على ميناء الداخلة الأطلسي يتجاوز بناء منشأة بحرية ضخمة؛ إنه رهان على تحويل الموقع الجغرافي للداخلة إلى منصة اقتصادية تربط المغرب بعمقه الإفريقي، وتفتح أمامه آفاقاً جديدة في التجارة والخدمات اللوجستية والاستثمار.
ومن طنجة إلى الداخلة، تبدو خريطة التعاون الاقتصادي المغربي الأمريكي وكأنها تتسع تدريجياً، في وقت تتنافس فيه القوى الدولية على الممرات التجارية والمواقع اللوجستية والأسواق الإفريقية الصاعدة. وفي هذه المعادلة، لا يمكن تجاهل الأهمية التي يكتسبها الساحل الأطلسي للمملكة.
لكن قوة المشروع لن تُقاس بالتصريحات ولا بالزيارات الدبلوماسية وحدها، بل بقدرته على إنتاج أثر اقتصادي ملموس: استثمارات حقيقية، وظائف مستدامة، شركات جديدة، وحركة تجارية تجعل من الداخلة مركزاً اقتصادياً قادراً على التأثير في محيطه.
ومع ذلك، فإن الرسالة السياسية والاقتصادية للزيارة تبدو واضحة: الداخلة تدخل تدريجياً دائرة الحسابات الاقتصادية الدولية، وميناؤها الأطلسي يتحول من مشروع وطني إلى بوابة مختلفة لمصالح تتجاوز حدود المغرب
وفي عالم لا تقاس فيه قوة المشاريع بحجم الاسمنت والحديد بل بحجم الشراكات التي تستقطبها والغرض التي تصنعها يبدو ان ميناء الداخلة بدا يفرض نفسه بلغة يفهمها الجميع
لغة الاقتصاد والاستثمار والمصالح الاستراتيجية .
















