ليست كل الانتخابات مجرد استحقاقات دورية لتجديد المؤسسات، بل إن بعضها يشكل محطات وطنية فارقة يُقاس بها مستوى نضج التجربة الديمقراطية، ودرجة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وقدرة المجتمع، بمختلف مكوناته، على جعل التنافس الانتخابي مدخلاً لترسيخ دولة القانون وتعزيز الحكامة الجيدة. وتندرج انتخابات مجلس النواب، المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر 2026، ضمن هذا الصنف من المحطات التي تتجاوز رهاناتها حدود التنافس الحزبي إلى مساءلة جودة الممارسة الديمقراطية ومستقبل البناء المؤسساتي بالمغرب.
♦ القوى الاقتصادية والاجتماعية.. شريك أساسي في حماية نزاهة الانتخابات:
إذا كانت الأحزاب السياسية تمثل الفاعل المباشر في التنافس الانتخابي، وكانت المشاركة الشعبية هي مصدر الشرعية الديمقراطية، فإن القوى الاقتصادية والاجتماعية تشكل البيئة التي تتحدد داخلها جودة هذه المشاركة. فالعامل، والموظف، والمتقاعد، والمهني، والتاجر، والحرفي، والفلاح، لا يمثلون مجرد فئات اجتماعية متفرقة، وإنما يشكلون في مجموعهم القلب النابض للمجتمع المغربي، بما يمتلكونه من حضور يومي داخل مختلف جهات المملكة، وبما ينسجونه من علاقات إنسانية ومهنية تجعلهم قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام المحلي وفي ترسيخ ثقافة المواطنة والمسؤولية.
ولذلك، فإن نجاح انتخابات 23 شتنبر 2026 لا يتوقف فقط على أداء الأحزاب السياسية أو على سلامة الإجراءات القانونية، بل يرتبط أيضاً بمدى انخراط هذه القوى المجتمعية في حماية نزاهة العملية الانتخابية، باعتبارها شريكاً أساسياً في صيانة الاختيار الحر. فكلما اتسعت دائرة الفاعلين المؤمنين بأن نزاهة الانتخابات قضية وطنية مشتركة، ازدادت قدرة المجتمع على مقاومة مختلف أشكال التأثير غير المشروع في إرادة الناخبين.
وتحتل الطبقة العاملة، سواء في القطاع العام أو المؤسسات العمومية أو القطاع الخاص، مكانة خاصة داخل هذا النسيج المجتمعي. فهي من أكثر الفئات انتشاراً داخل المجتمع، وتجمعها فضاءات العمل بعلاقات يومية تسمح بتبادل الأفكار والآراء والخبرات. ومن ثم، فإن قدرتها على نشر ثقافة المشاركة الواعية، وتشجيع الاختيار المبني على الكفاءة والنزاهة، تجعلها أحد أهم الروافد الاجتماعية الداعمة لنزاهة الانتخابات. كما أن ارتباطها المباشر بقضايا التشغيل والأجور والحماية الاجتماعية يجعلها أكثر إدراكاً لأهمية اختيار ممثلين قادرين على الدفاع عن المصالح العامة داخل المؤسسة التشريعية.
ولا تقل أهمية المتقاعدين عن ذلك، فهذه الفئة تمثل رصيداً وطنياً راكم خبرات طويلة في الإدارة والاقتصاد والتعليم والصحة والقضاء وسائر المرافق العمومية. وبفضل هذه التجربة، يستطيع المتقاعدون الإسهام في توجيه النقاش العمومي نحو القضايا الجوهرية المرتبطة بجودة التشريع وفعالية المؤسسات، كما يمكنهم أن يكونوا صوتاً للحكمة والاعتدال داخل أسرهم ومحيطهم الاجتماعي، بما يعزز ثقافة الاختيار الحر والمسؤول بعيداً عن الانفعالات أو الاعتبارات الظرفية.
أما المهنيون غير الأجراء، بمختلف مكوناتهم، فيمثلون جزءاً مهماً من الدورة الاقتصادية الوطنية، وتمنحهم طبيعة نشاطهم وصلاتهم اليومية بالمواطنين قدرة كبيرة على المساهمة في نشر الوعي بأهمية المشاركة الانتخابية. فالأطباء، والمهندسون، والمحامون، والصيادلة، والمحاسبون، وغيرهم من أصحاب المهن الحرة، يمتلكون رصيداً من الثقة المجتمعية يجعل مساهمتهم في النقاش العمومي ذات أثر معتبر، سواء من خلال هيئاتهم المهنية أو عبر المبادرات المدنية التي يشاركون فيها.
وينطبق الأمر نفسه على التجار والحرفيين، الذين يشكلون أحد أكثر الفئات التصاقاً بالحياة اليومية للمواطنين. فانتشارهم داخل المدن والقرى، والعلاقات الإنسانية التي تجمعهم بزبنائهم ومحيطهم، تمنحهم قدرة على المساهمة في ترسيخ ثقافة المواطنة، وتشجيع المشاركة الإيجابية، والدفاع عن قيم النزاهة والاستقامة. كما أن الحرفيين، وخاصة في قطاع الصناعة التقليدية، لا يمثلون فقط نشاطاً اقتصادياً، بل يجسدون أيضاً جزءاً من الهوية الحضارية المغربية، الأمر الذي يجعل مشاركتهم في إنجاح هذه المحطة الوطنية امتداداً لدورهم في الحفاظ على مقومات المجتمع واستقراره.
ولا يمكن الحديث عن القوى الاقتصادية والاجتماعية دون استحضار الفلاحين وسكان العالم القروي، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها القطاع الفلاحي داخل الاقتصاد الوطني، وإلى ما يربط القرى المغربية من علاقات اجتماعية وأسرية متينة. وقد أظهرت بعض التجارب السابقة أن العالم القروي يظل من أكثر المجالات التي تتطلب جهداً جماعياً لمواجهة بعض الممارسات التي قد تمس بحرية الاختيار، من قبيل استغلال الهشاشة الاجتماعية أو توظيف المال أو الولائم الانتخابية للتأثير في إرادة الناخبين. ومن هنا، فإن الفلاحين وسكان القرى ليسوا موضوعاً للحماية فقط، بل هم شركاء أساسيون في حماية نزاهة الانتخابات، من خلال تمسكهم بحقهم في الاختيار الحر، ورفضهم لكل الممارسات التي تنتقص من قيمة صوتهم الانتخابي.
إن اجتماع هذه القوى الاقتصادية والاجتماعية حول هدف واحد، يتمثل في حماية الإرادة الحرة للمواطن وترسيخ ثقافة النزاهة، من شأنه أن يحول الانتخابات من مجرد منافسة سياسية إلى مشروع وطني يشارك فيه المجتمع بأكمله. فكلما شعر المواطن بأن محيطه المهني والاجتماعي يدافع عن نزاهة الانتخابات ويعتبرها مسؤولية جماعية، ازدادت ثقته في المؤسسات، وتعززت فرص بناء ديمقراطية أكثر رسوخاً، يكون فيها الاقتراع تعبيراً حقيقياً عن إرادة المواطنين، لا نتيجة لتأثير المال أو النفوذ أو أي شكل من أشكال الإكراه.
خامساً: المجتمع المدني والفاعلون الحقوقيون… ترسيخ ثقافة المواطنة والرقابة المجتمعية
إذا كانت الأحزاب السياسية تضطلع بالدور المركزي في التنافس الديمقراطي، فإن المجتمع المدني يشكل الفضاء الذي تتجذر فيه ثقافة المواطنة وتتسع داخله دائرة المشاركة العمومية. فالجمعيات، والهيئات الحقوقية، والمنظمات النقابية، ليست مجرد مؤسسات موازية للعمل السياسي، وإنما تعد إحدى الدعائم الأساسية للديمقراطية التشاركية، بما تقوم به من تأطير للمواطنين، والدفاع عن الحقوق والحريات، والمساهمة في بلورة النقاش العمومي، وتقوية جسور الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة. ومن ثم، فإن نجاح الانتخابات لا يتوقف فقط على سلامة الإجراءات القانونية، بل يرتبط أيضاً بمدى حيوية هذه المؤسسات الوسيطة وقدرتها على تعبئة المجتمع حول قيم النزاهة والشفافية.
وتضطلع جمعيات المجتمع المدني، بحكم انتشارها في مختلف جهات المملكة وتنوع مجالات اشتغالها، بدور محوري في ترسيخ الوعي الانتخابي، وتعزيز المشاركة الواعية، والتحسيس بأهمية التصويت الحر والمسؤول. فهذه الجمعيات توجد على تماس مباشر مع المواطنين، وتعرف خصوصيات الأحياء والقرى والجماعات الترابية، الأمر الذي يجعلها قادرة على تحويل الانتخابات من مناسبة موسمية إلى ممارسة مواطنة دائمة، قائمة على الحوار والتوعية والانخراط في الشأن العام. كما أن تنسيق جهودها، كل في مجال اختصاصه، من شأنه أن يوسع دائرة التعبئة المجتمعية، وأن يجعل حماية نزاهة الانتخابات مسؤولية يتقاسمها الجميع.
ولا يقل دور الجمعيات الحقوقية أهمية في هذا المجال، بالنظر إلى ما راكمته من خبرة في نشر ثقافة حقوق الإنسان، ورصد مختلف الممارسات التي قد تمس بحرية الاختيار أو تكافؤ الفرص أو سلامة العملية الانتخابية. فإسهامها لا ينبغي أن يقتصر على تسجيل الاختلالات بعد وقوعها، وإنما يتعين أن يتجه أيضاً نحو العمل الوقائي والاستباقي، من خلال إعداد برامج للتحسيس والتكوين، والتنسيق مع مختلف المؤسسات المختصة، بما يساهم في الحد من التجاوزات قبل وقوعها، ويعزز الثقة في المسار الانتخابي برمته.
كما تشكل المنظمات النقابية أحد المكونات الأساسية للمجتمع المدني المنظم، بالنظر إلى امتدادها داخل مختلف القطاعات المهنية، وما تتمتع به من قدرة على التواصل مع أعداد واسعة من العاملات والعمال والموظفين. ورغم أن دورها الأساسي يظل مرتبطاً بالدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمهنية، فإن مسؤوليتها الوطنية تمتد أيضاً إلى المساهمة في ترسيخ ثقافة المواطنة، وتشجيع المشاركة الواعية، والدفاع عن نزاهة الانتخابات باعتبارها المدخل الطبيعي لبناء مؤسسات قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
ومن شأن التعاون والتنسيق بين جمعيات المجتمع المدني، والهيئات الحقوقية، والمنظمات النقابية، أن يفضي إلى بناء شبكة مجتمعية واسعة للدفاع عن نزاهة الانتخابات، تقوم على نشر الوعي، ورصد الاختلالات، والتفاعل معها في إطار القانون، وتعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة. فكلما كانت هذه المؤسسات أكثر حضوراً في الحياة العامة، وأكثر استقلالية وفعالية، ازدادت قدرة المجتمع على حماية إرادة الناخبين، وترسيخ الثقة في المؤسسات، وجعل الانتخابات مناسبة لتقوية الديمقراطية، لا مجرد محطة دورية لتجديد الهيئات المنتخبة.
سادساً: النخب الفكرية والإعلامية… إنتاج المعرفة وصناعة الرأي العام الديمقراطي
لا تقتصر جودة الانتخابات على سلامة النصوص القانونية أو حسن تنظيم الاقتراع، وإنما ترتبط أيضاً بمستوى الوعي الذي يرافق العملية الانتخابية، وبقدرة المجتمع على إدارة نقاش عمومي رصين حول القضايا الوطنية والبرامج والاختيارات السياسية. ومن هنا تبرز المكانة التي تحتلها النخب الفكرية والإعلامية في بناء الثقافة الديمقراطية، باعتبارها من أبرز الفاعلين في إنتاج المعرفة، وتفسير التحولات السياسية، وتوجيه الرأي العام نحو الاختيار الواعي والمسؤول.
ويضطلع الأكاديميون والباحثون بدور أساسي في هذا المجال، من خلال تقديم دراسات وتحليلات علمية تستند إلى الدستور والقوانين والتجارب المقارنة، بما يساعد على فهم طبيعة النظام الانتخابي، وتقييم أداء المؤسسات، ورصد مكامن القوة والاختلال، واقتراح السبل الكفيلة بتطوير الممارسة الديمقراطية. فالمعرفة العلمية لا تقتصر على تشخيص الواقع، بل تساهم أيضاً في ترشيد القرار العمومي، وتغذية النقاش السياسي بأفكار وحلول تتجاوز الاعتبارات الظرفية والحسابات الانتخابية الضيقة.
كما يضطلع المثقفون والمفكرون بدور لا يقل أهمية، من خلال إغناء النقاش العمومي، وتعميق التفكير في القضايا الكبرى المرتبطة بالديمقراطية والمواطنة والعدالة الاجتماعية ودولة القانون. فوظيفة المثقف لا تنحصر في التعليق على الأحداث، وإنما تتمثل أيضاً في مساءلة الأفكار السائدة، والدفاع عن قيم الحوار والتعددية، وترسيخ ثقافة النقد البناء، بما يعزز قدرة المجتمع على التمييز بين البرامج الجادة والخطابات الشعبوية، وبين الاختلاف المشروع والاستقطاب الذي يضعف الثقة في المؤسسات.
ويأتي الإعلام المهني ليشكل حلقة الوصل بين المعرفة والمجتمع، من خلال نقل المعلومة الدقيقة، وشرح البرامج الانتخابية، وإتاحة الفرصة أمام مختلف الفاعلين للتعبير عن مواقفهم في إطار من التعددية والتوازن. ولا تقتصر مسؤولية وسائل الإعلام على مواكبة الحملات الانتخابية أو إعلان النتائج، وإنما تمتد إلى الإسهام في تكوين رأي عام مستنير، قادر على ممارسة حقه في الاختيار على أساس المعرفة لا على أساس الإشاعة أو التضليل أو الإثارة.
وتزداد هذه المسؤولية أهمية في ظل التحول الرقمي وما أتاحته منصات التواصل الاجتماعي من سرعة في تداول المعلومات، وما رافق ذلك أحياناً من انتشار الأخبار الزائفة، وخطابات الكراهية، ومحاولات التأثير غير المشروع في توجهات الناخبين. لذلك يصبح الإعلام المهني، إلى جانب الباحثين والمثقفين، مطالباً بتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات، ومحاربة التضليل، وترسيخ أخلاقيات النقاش العمومي، بما يحمي حق المواطنين في الوصول إلى معلومة صحيحة ومتوازنة.
ولا يقتصر دور وسائل الإعلام على نقل الأخبار أو مواكبة الحملات الانتخابية، بل يمتد أيضاً إلى ممارسة وظيفة تربوية وتنويرية تسهم في رفع مستوى الثقافة السياسية لدى المواطنين. فكلما تمكن الإعلام من تبسيط القوانين الانتخابية، وشرح اختصاصات البرلمان، وتوضيح أثر التصويت في صناعة السياسات العمومية، أصبح المواطن أكثر قدرة على ممارسة حقه في الاختيار على أساس المعرفة، لا على أساس الانطباعات أو الولاءات الظرفية. ومن هنا، فإن الاستثمار في الإعلام التفسيري والبرامج الحوارية الرصينة والمناظرات الموضوعية بين الفاعلين السياسيين يعد جزءاً من تعزيز جودة العملية الديمقراطية نفسها.
كما أن الفضاء الرقمي أصبح اليوم جزءاً أساسياً من المجال العمومي، وهو ما يجعل الصحافة المهنية مطالبة بمضاعفة جهودها في التحقق من المعلومات، والتصدي للأخبار الزائفة، وكشف حملات التضليل أو التلاعب بالرأي العام متى وجدت، وفق الضوابط القانونية وأخلاقيات المهنة. فكلما كان المواطن يتلقى معلومات دقيقة ومتوازنة، ازدادت قدرة المجتمع على حماية إرادته الحرة، وتعززت الثقة في نتائج الانتخابات وفي المؤسسات المنبثقة عنها.
إن بناء الديمقراطية لا يتحقق بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع وحدها، وإنما يحتاج أيضاً إلى فضاء فكري وإعلامي حر ومسؤول، تنتج فيه المعرفة الرصينة، ويُدار فيه الاختلاف بالحجة، وتُصان فيه الحقيقة من التزييف. فكلما ازداد إسهام النخب الفكرية والإعلامية في ترسيخ هذا النموذج، أصبحت الانتخابات أكثر قدرة على التعبير عن الإرادة الحرة للمواطنين، وتعززت مكانة المؤسسات المنتخبة بوصفها تعبيراً صادقاً عن الاختيار الديمقراطي.
سابعاً: البعد القيمي والديني… ترسيخ المسؤولية الأخلاقية في الاختيار الديمقراطي
لا تقوم الديمقراطية على القوانين والمؤسسات وحدها، مهما بلغت درجة تطورها، وإنما تحتاج أيضاً إلى منظومة قيمية وأخلاقية تجعل احترام القانون ونزاهة الممارسة جزءاً من السلوك المجتمعي اليومي. فالانتخابات ليست مجرد عملية تقنية لاختيار ممثلين للأمة، بل هي تعبير عن مسؤولية جماعية، يقوم نجاحها على صدق الاختيار، واحترام إرادة المواطنين، والالتزام بالقيم التي تجعل المصلحة العامة فوق المصالح الخاصة. ولذلك، فإن حماية نزاهة الانتخابات تبدأ أيضاً من ترسيخ الوعي بأن صوت الناخب أمانة، وأن المساس بحرية الاختيار لا يمثل مخالفة قانونية فحسب، بل يمس جوهر المسؤولية الأخلاقية التي يقوم عليها العقد الاجتماعي.
ويكتسي هذا البعد أهمية خاصة في المجتمع المغربي، حيث تشكل القيم الدينية والأخلاقية أحد المرتكزات الأساسية للهوية الوطنية. ومن ثم، فإن ترسيخ قيم الأمانة، والصدق، والاستقامة، واحترام الحقوق، وتحمل المسؤولية، يظل عاملاً أساسياً في تعزيز الثقة في المؤسسات وفي حماية نزاهة الاستحقاقات الانتخابية. فكلما ترسخت هذه القيم في السلوك الفردي والجماعي، تراجعت مختلف الممارسات التي تتعارض مع الاختيار الحر، وتعززت ثقافة المواطنة المسؤولة.
وفي هذا الإطار، يضطلع المجلس العلمي الأعلى، والمجالس العلمية المحلية، وباقي المؤسسات الدينية الرسمية، في حدود الاختصاصات التي يحددها الدستور والقوانين المنظمة للشأن الديني، بدور مهم في ترسيخ هذه المنظومة القيمية، من خلال الخطب والدروس والبرامج التوجيهية التي تؤكد مكانة الأمانة، وتحذر من الغش والرشوة واستغلال النفوذ، وتدعو إلى احترام حقوق الآخرين وصيانة المصلحة العامة. ولا يتعلق الأمر بالتدخل في التنافس السياسي أو توجيه اختيارات الناخبين، وإنما بالإسهام في نشر القيم الأخلاقية التي تشكل أساس كل ممارسة ديمقراطية سليمة.
كما أن تعزيز الوعي بأن اختيار ممثلي الأمة مسؤولية أخلاقية ووطنية، قبل أن يكون حقاً سياسياً، من شأنه أن يرسخ ثقافة تقوم على تقييم المرشحين وفق معايير الكفاءة والنزاهة والاستقامة وخدمة الصالح العام، بعيداً عن الاعتبارات الشخصية أو الضغوط أو مختلف أشكال التأثير غير المشروع. فكلما استند الاختيار إلى الضمير والمسؤولية، ازدادت قدرة المجتمع على حماية إرادته الحرة، وتعززت شرعية المؤسسات المنبثقة عن صناديق الاقتراع.
إن الديمقراطية في جوهرها ليست مجرد تنافس على السلطة، بل هي أيضاً ممارسة أخلاقية قوامها الثقة، والصدق، وتحمل المسؤولية. ولذلك، فإن ترسيخ البعد القيمي والديني، في إطار الثوابت الدستورية والاختصاصات المؤسسية، يظل أحد الشروط الأساسية لبناء انتخابات نزيهة، ومؤسسات قوية، وثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع، بما يجعل الاختيار الديمقراطي تعبيراً حقيقياً عن الإرادة الحرة للمواطنين.
ثامناً: الجالية المغربية بالخارج… امتداد وطني في خدمة الديمقراطية:
تشكل الجالية المغربية المقيمة بالخارج أحد الامتدادات الحيوية للمجتمع المغربي، ليس فقط بالنظر إلى إسهامها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وإنما أيضاً لما تمثله من رصيد بشري يرتبط بوطنه بعلاقات متينة تتجاوز الحدود الجغرافية. فالملايين من المغاربة المقيمين بالخارج يحتفظون بروابط قوية مع أسرهم ومناطقهم الأصلية، ويتابعون باهتمام تطورات الحياة العامة بالمغرب، ويشاركون، بوسائل متعددة، في دعم مسار التنمية وتعزيز صورة المملكة في مختلف بلدان الإقامة. ومن ثم، فإن الحديث عن إنجاح الانتخابات لا يكتمل دون استحضار المكانة التي تحتلها هذه الفئة ضمن النسيج الوطني.
وتكتسي مساهمة الجالية أهمية خاصة بالنظر إلى ما راكمه جزء مهم من أفرادها من تجارب في مجتمعات ديمقراطية مختلفة، وما أتاحه لهم ذلك من احتكاك بممارسات مؤسساتية متنوعة في مجالات الانتخابات والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة. ولا يعني ذلك أن هذه التجارب يمكن نقلها حرفياً إلى السياق المغربي، وإنما يمكن أن تغني النقاش العمومي، وأن تسهم في ترسيخ ثقافة المشاركة والشفافية واحترام القانون، من خلال تبادل الخبرات والأفكار وتعزيز الحوار بين مغاربة الداخل والخارج.
كما أن الروابط الأسرية والاجتماعية التي تجمع أفراد الجالية بعائلاتهم داخل المغرب تمنحهم قدرة معنوية على الإسهام في نشر الوعي بأهمية المشاركة الواعية، وتشجيع الاختيار الحر، وترسيخ القناعة بأن جودة المؤسسات المنتخبة تمثل مصلحة مشتركة لجميع المغاربة، أينما كانوا. فالانتخابات ليست شأناً يهم المقيمين داخل الوطن وحدهم، لأن آثار السياسات العمومية تمتد إلى مختلف مكونات الأمة المغربية، داخل المملكة وخارجها، وتنعكس على صورة البلاد وثقة شركائها وعلى قدرتها على مواصلة مسارها التنموي والديمقراطي.
ومن جهة أخرى، فإن الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج، بما تمتلكه من خبرات علمية ومهنية وإدارية، تمثل رصيداً استراتيجياً يمكن أن يسهم في إغناء النقاش العمومي حول الإصلاحات السياسية والمؤسساتية، وفي تقديم رؤى وتجارب مقارنة تساعد على تطوير الأداء الديمقراطي. ولذلك، فإن توثيق جسور التواصل بين هذه الكفاءات ومؤسسات الوطن، وإشراكها في الحوار حول القضايا الكبرى، من شأنه أن يعزز الاستفادة من الخبرات الوطنية أينما وجدت، وأن يرسخ مفهوم المواطنة الذي لا تحده الإقامة الجغرافية.
وإلى جانب ذلك، يمكن للجالية المغربية أن تضطلع بدور مهم في التعريف بالتجربة الديمقراطية المغربية داخل بلدان الإقامة، من خلال ما تنسجه من علاقات مع مختلف الفاعلين المؤسساتيين والأكاديميين والمدنيين. فالصورة التي تنقلها الجالية عن الانتخابات المغربية لا تؤثر فقط في إدراك المجتمعات التي تقيم بها، وإنما تساهم أيضاً في تعزيز المكانة الدولية للمملكة وترسيخ الثقة في مسارها الإصلاحي كلما اقترنت هذه الصورة بانتخابات تتسم بالنزاهة والشفافية. كما أن التطور الكبير في وسائل الاتصال والتواصل الرقمي أتاح إمكانات واسعة لتعزيز انخراط الجالية في النقاش العمومي الوطني، وتبادل الرؤى والخبرات مع مختلف الفاعلين داخل المغرب. ويمكن استثمار هذه الإمكانات في نشر ثقافة المواطنة، وتشجيع المشاركة الواعية، وإبراز أهمية المؤسسات المنتخبة في مواصلة الأوراش الإصلاحية والتنموية، بما يعزز الشعور بالانتماء إلى مشروع وطني مشترك يجمع جميع المغاربة، داخل الوطن وخارجه.
وفي المحصلة، فإن الجالية المغربية بالخارج ليست مجرد مكون اجتماعي يعيش خارج الحدود، وإنما هي جزء أصيل من الجماعة الوطنية، وشريك في بناء مستقبلها. وكلما تعزز ارتباطها بمسار الإصلاح الديمقراطي، واتسعت مساهمتها في نشر قيم النزاهة والمواطنة والمسؤولية، ازداد رصيد الثقة الذي تستند إليه التجربة الديمقراطية المغربية، وترسخ الوعي بأن بناء المؤسسات القوية هو مشروع وطني يشترك فيه جميع المغاربة، داخل الوطن وخارجه.
وبذلك تصبح الجالية المغربية بالخارج جسراً لنقل الخبرة، وتعزيز صورة المملكة، وترسيخ قيم الديمقراطية، بما يجعلها شريكاً فعلياً في إنجاح هذا الورش الوطني، لا مجرد متابع له من خارج الحدود.
تاسعا: التحديات الكبرى لنزاهة الانتخابات.. حماية الإرادة الحرة للناخب:
إذا كانت نزاهة الانتخابات تقوم على احترام الإرادة الحرة للمواطن، فإن أكبر التحديات التي تواجه أي عملية انتخابية تتمثل في كل الممارسات التي تؤثر في حرية الاختيار أو تفرغ الاقتراع من مضمونه الديمقراطي. فالقوانين، مهما بلغت درجة تطورها، لا تكفي وحدها لضمان انتخابات نزيهة إذا لم تصاحبها ثقافة مجتمعية ترفض كل أشكال الفساد الانتخابي، وتعتبر المساس بحرية الناخب اعتداءً على الإرادة الشعبية وعلى الشرعية الديمقراطية نفسها. ولذلك، فإن حماية نزاهة الانتخابات لا تقتصر على تطبيق النصوص القانونية، وإنما تستوجب أيضاً تعبئة جماعية تنخرط فيها مختلف مؤسسات الدولة ومكونات المجتمع، حتى يصبح احترام قواعد المنافسة النزيهة ثقافة عامة قبل أن يكون التزاماً قانونياً.
ويظل استعمال المال للتأثير في إرادة الناخبين أخطر مظاهر الفساد الانتخابي، لأنه يحول العلاقة بين المواطن وصندوق الاقتراع من علاقة تقوم على القناعة والاختيار الحر إلى علاقة تقوم على المنفعة الآنية. وعندما يصبح المال وسيلة لحسم نتائج الانتخابات، فإن المؤسسات التي تفرزها صناديق الاقتراع تفقد جزءاً من مشروعيتها الأخلاقية والسياسية، ويتراجع منسوب الثقة في العمل الحزبي والتمثيل الديمقراطي. كما أن المال الانتخابي لا يسيء إلى نزاهة الاقتراع فحسب، بل ينعكس أيضاً على طبيعة الممارسة السياسية بعد الانتخابات، إذ غالباً ما يتحول المنصب العمومي إلى وسيلة لاسترجاع ما أُنفق خلال الحملة الانتخابية، وهو ما يفتح الباب أمام أشكال مختلفة من الفساد وسوء تدبير الشأن العام.
ولذلك، فإن مواجهة المال الانتخابي لا ينبغي أن تظل مسؤولية السلطات العمومية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتحملها الأحزاب السياسية، والسلطة القضائية، وهيئات الحكامة، وجمعيات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، وجميع المواطنات والمواطنين. فكل تساهل مع هذه الظاهرة يمثل تساهلاً مع إضعاف الديمقراطية نفسها، بينما يشكل الإبلاغ عنها، والتوعية بخطورتها، والتطبيق الصارم للقانون، مدخلاً أساسياً لحماية مصداقية الانتخابات وتعزيز الثقة في المؤسسات.
وتبرز هذه التحديات، في بعض الأحيان، بصورة أوضح في عدد من المناطق القروية، حيث لا تزال بعض الممارسات التقليدية، من قبيل الولائم الانتخابية (“الزرود”) أو تقديم المنافع المادية والعينية، تستعمل للتأثير في اختيارات الناخبين. ولا ينبغي أن يقود ذلك إلى تعميم الأحكام على العالم القروي، الذي ظل على الدوام خزّاناً للقيم الوطنية والتضامن الاجتماعي، وإنما المقصود هو التنبيه إلى ضرورة التصدي لكل السلوكيات التي تمس بحرية الاختيار، أينما وجدت. كما أن الروابط الأسرية القوية التي تجمع سكان المدن بقراهم الأصلية تتيح إمكانات كبيرة لنشر الوعي بأهمية التصويت الحر، وتشجيع المواطنين على رفض كل أشكال الاستمالة غير المشروعة، بما يجعل سكان العالم القروي أنفسهم في طليعة المدافعين عن نزاهة الانتخابات.
ولا تختلف بعض الأحياء الشعبية في المدن عن هذا الواقع، إذ تعرف بدورها، خلال بعض الاستحقاقات، محاولات للتأثير في الناخبين عبر شراء الأصوات أو استغلال أوضاع الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية. وتؤكد هذه الممارسات أن الفساد الانتخابي لا يرتبط بمجال جغرافي معين، بل يستغل كل البيئات التي يضعف فيها الوعي الانتخابي أو تشتد فيها الحاجة الاجتماعية. ومن ثم، فإن مواجهته تقتضي تكثيف جهود التوعية، وتعزيز حضور المؤسسات الرقابية، والتطبيق الصارم للقانون، إلى جانب العمل المستمر على ترسيخ ثقافة المواطنة، حتى يبقى صوت الناخب معبراً عن قناعته الحرة، لا عن تأثير المال أو الحاجة أو أي وسيلة أخرى تتعارض مع جوهر الاختيار الديمقراطي.
ولا تقتصر مواجهة هذه التحديات على فترة الحملة الانتخابية أو يوم الاقتراع، بل تمتد إلى ما قبل الانتخابات وما بعدها، لأن حماية الثقة في المؤسسات مسار دائم، لا يرتبط باستحقاق انتخابي بعينه، وإنما يشكل جزءاً من بناء الدولة الديمقراطية الحديثة.
وفي نهاية المطاف، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في تنظيم انتخابات تستوفي الشروط القانونية، وإنما في بناء ثقافة وطنية تعتبر صوت المواطن أمانة لا يجوز المتاجرة بها، وتدرك أن نزاهة الانتخابات ليست مسؤولية الإدارة أو القضاء أو الأحزاب وحدها، بل هي مسؤولية المجتمع بأكمله. فكلما نجح المغرب في تضييق مجال المال الانتخابي، والحد من مختلف أشكال التأثير غير المشروع في إرادة الناخبين، ازداد رسوخ مؤسساته، وتعززت الثقة في الديمقراطية، وأصبحت الانتخابات بالفعل تعبيراً صادقاً عن الإرادة الشعبية، لا مجرد إجراء دستوري يتكرر كل خمس سنوات.
♦ الانتخابات مسؤولية وطنية مشتركة:
إن نجاح الانتخابات لا يقاس فقط بنسبة المشاركة، ولا بعدد المقاعد التي يحصل عليها هذا الحزب أو ذاك، وإنما يقاس، قبل كل شيء، بمدى قدرة المجتمع على حماية الإرادة الحرة للناخب، وترسيخ الثقة في المؤسسات، وجعل صناديق الاقتراع تعبيراً صادقاً عن الاختيار الشعبي الحر. فالديمقراطية ليست مجرد إجراءات قانونية أو مواعيد انتخابية دورية، بل هي ثقافة مجتمعية تقوم على المسؤولية، والشفافية، والنزاهة، واحترام القانون.
ومن هذا المنطلق، فإن انتخابات مجلس النواب ليوم 23 شتنبر 2026 لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها شأناً يهم الأحزاب السياسية أو السلطات العمومية وحدها، وإنما باعتبارها مسؤولية وطنية مشتركة تتقاسمها مختلف مكونات المجتمع. فالأحزاب مطالبة بتقديم البرامج الجادة والمرشحين الأكفاء، والنساء والشباب مدعوون إلى تعزيز المشاركة الواعية، والقوى الاقتصادية والاجتماعية مطالبة بتكريس ثقافة الاختيار الحر، كما يضطلع المجتمع المدني، والنقابات، والهيئات الحقوقية، والنخب الفكرية والإعلامية، والمؤسسات الدينية، والجالية المغربية المقيمة بالخارج، كل من موقعه، بأدوار متكاملة في حماية نزاهة العملية الانتخابية وترسيخ الثقة في نتائجها.
وفي المقابل، فإن مواجهة التحديات التي ما تزال تعترض نزاهة الانتخابات، وفي مقدمتها المال الانتخابي، واستغلال الهشاشة الاجتماعية، وبعض الممارسات التي تشهدها بعض المناطق القروية أو الأحياء الشعبية، تظل مسؤولية جماعية لا يمكن أن تضطلع بها مؤسسة واحدة مهما كانت إمكاناتها. فالحد من هذه الظواهر يقتضي تعبئة وطنية شاملة، قوامها احترام القانون، واليقظة المجتمعية، والوعي المدني، والتعاون بين مختلف الفاعلين، حتى يصبح التنافس الانتخابي قائماً على البرامج والكفاءة وخدمة الصالح العام، لا على النفوذ أو المال أو التأثير غير المشروع.
لقد راكم المغرب، على امتداد أكثر من ستة عقود من الممارسة البرلمانية، تجربة مؤسساتية مهمة، كما أن الأوراش الإصلاحية الكبرى التي تعرفها المملكة، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والدولية المتسارعة، تجعل الحاجة إلى مؤسسات منتخبة قوية وذات مصداقية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تنظيم انتخابات تحترم الضوابط القانونية، بل في جعلها محطة جديدة لتعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات، وترسيخ دولة القانون، وتقوية الاختيار الديمقراطي الذي جعله الدستور أحد الثوابت الأساسية للدولة المغربية.
وإذا نجح المغرب في كسب هذا الرهان، فإن انتخابات 23 شتنبر 2026 لن تكون مجرد محطة دورية لتجديد مجلس النواب، بل ستشكل خطوة جديدة في مسار ترسيخ الديمقراطية، وتعزيز مشروعية المؤسسات، وتقوية مكانة المملكة إقليمياً ودولياً، بما يجعل الانتخابات رافعة للإصلاح، وأداة لتجديد النخب، ومدخلاً لتوسيع المشاركة المواطنة، وخدمة التنمية الشاملة التي يتطلع إليها جميع المغاربة.
إن الديمقراطية لا تُحمى يوم الاقتراع وحده، بل تُبنى كل يوم داخل الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ومقر الحزب، والنقابة، والجمعية، ووسائل الإعلام، وفي كل فضاء يمارس فيه المواطن مسؤوليته بحرية ووعي. ولذلك فإن انتخابات 23 شتنبر 2026 ليست مجرد موعد دستوري لتجديد مجلس النواب، بل هي امتحان جماعي لمدى قدرة المجتمع المغربي على صيانة اختياره الديمقراطي، وتعزيز ثقته في مؤسساته، وترسيخ ثقافة تجعل من نزاهة الانتخابات مسؤولية وطنية مشتركة، ومن احترام إرادة الناخبين أساساً لقوة الدولة ومشروعية مؤسساتها واستمرار مسارها الديمقراطي.

















