ليست كل الانتخابات مجرد استحقاقات دورية لتجديد المؤسسات، بل إن بعضها يشكل محطات وطنية فارقة يُقاس بها مستوى نضج التجربة الديمقراطية، ودرجة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وقدرة المجتمع، بمختلف مكوناته، على جعل التنافس الانتخابي مدخلاً لترسيخ دولة القانون وتعزيز الحكامة الجيدة. وتندرج انتخابات مجلس النواب، المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر 2026، ضمن هذا الصنف من المحطات التي تتجاوز رهاناتها حدود التنافس الحزبي إلى مساءلة جودة الممارسة الديمقراطية ومستقبل البناء المؤسساتي بالمغرب.
وتكتسي هذه الانتخابات أهمية خاصة لأنها تأتي بعد أكثر من ستة عقود من التجربة البرلمانية المغربية، الممتدة منذ أول انتخابات تشريعية جرت في 17 ماي 1963 عقب اعتماد دستور 7 دجنبر 1962،وخلال هذه المسيرة، راكم المغرب رصيداً مؤسساتياً وسياسياً مهماً، تعزز بمحطات إصلاحية متتالية، ولا سيما دستور 2011 وما تلاه من تطوير للإطار القانوني والمؤسساتي. غير أن هذا المسار، على الرغم من منجزاته، ما زال يواجه تحديات تفرض مواصلة الإصلاح وترسيخ ثقافة النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى تواكب الممارسة الانتخابية الطموحات الدستورية والانتظارات المجتمعية.
وتنعقد هذه الانتخابات أيضاً في سياق دولي أصبحت فيه جودة الديمقراطية ونزاهة العمليات الانتخابية من أبرز المؤشرات التي تُقاس بها مصداقية الدول وقوة مؤسساتها. كما تأتي في ظرفية وطنية دقيقة تتسم باستمرار الأوراش التنموية الكبرى، وبالتحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، وبالدينامية التي تعرفها القضية الوطنية على الصعيدين الإقليمي والدولي، وهي كلها رهانات تجعل الحاجة ملحة إلى مؤسسات منتخبة قوية، تتمتع بالشرعية والمصداقية والكفاءة، وقادرة على مواكبة هذه التحولات والاستجابة لتطلعات المواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح انتخابات 23 شتنبر 2026 لا يمكن اختزاله في حسن التنظيم التقني للعملية الانتخابية، ولا في نسب المشاركة أو في ترتيب الأحزاب داخل البرلمان، وإنما يقاس أساساً بمدى احترام الإرادة الحرة للناخبين، وبجودة النخب التي ستفرزها صناديق الاقتراع، وبقدرة مختلف الفاعلين على جعل الانتخابات مناسبة لتعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ ثقافة المواطنة والمسؤولية.
وانطلاقاً من هذه القناعة، فإن إنجاح هذا الاستحقاق ليس مسؤولية الدولة أو الأحزاب السياسية وحدها، بل هو مسؤولية وطنية مشتركة تتحملها مختلف مكونات المجتمع المغربي: المؤسسات الدستورية، والأحزاب السياسية، والنقابات، والهيئات المهنية، وجمعيات المجتمع المدني، والجامعات، ووسائل الإعلام، والفاعلون الاقتصاديون والاجتماعيون، والمثقفون، وجميع المواطنات والمواطنين. فالديمقراطية ليست مجرد نصوص قانونية أو إجراءات تنظيمية، بل هي ثقافة مجتمعية وممارسة يومية تقوم على المشاركة الواعية، واحترام القانون، وصيانة الإرادة الحرة للناخبين.
وانطلاقاً من هذا التصور، تسعى هذه الورقة إلى تقديم مجموعة من الملاحظات والاقتراحات التي يمكن أن تسهم، في تعبئة وطنية واسعة من أجل حماية نزاهة الانتخابات، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وترسيخ الممارسة الديمقراطية باعتبارها مسؤولية جماعية يشترك فيها الجميع.
◊ المرتكزات العامة لتعبئة وطنية من أجل نزاهة الانتخابات:
إن الحديث عن نزاهة الانتخابات لا يتعلق بمجرد احترام المساطر القانونية المنظمة للاقتراع، ولا يقتصر على توفير الضمانات التقنية والإدارية الكفيلة بحسن سير العملية الانتخابية، بل يرتبط، قبل كل شيء، بترسيخ منظومة من المبادئ التي تشكل الأساس الأخلاقي والسياسي لأي ممارسة ديمقراطية سليمة. فكلما كانت هذه المبادئ حاضرة في وعي مختلف الفاعلين، من مؤسسات وأحزاب وهيئات ومواطنين، ازدادت قدرة المجتمع على حماية الإرادة الحرة للناخب، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وترسيخ الممارسة الديمقراطية باعتبارها مسؤولية جماعية.
وانطلاقاً من هذا التصور، تقوم هذه الورقة على خمسة مرتكزات أساسية تشكل الإطار الناظم لجميع الملاحظات والاقتراحات الواردة فيها.
1- نزاهة الانتخابات مسؤولية وطنية مشتركة
لا يمكن اختزال مسؤولية نزاهة الانتخابات في الإدارة أو القضاء أو الأحزاب السياسية وحدها، لأن الانتخابات ليست شأناً يخص الدولة فقط، بل هي قضية مجتمعية تمس مستقبل الوطن بأكمله. ولذلك فإن حماية نزاهة الاقتراع تقتضي انخراط جميع الفاعلين، من مؤسسات دستورية، وأحزاب سياسية، وهيئات مهنية، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والجامعات، والمواطنات والمواطنين، كل من موقعه وفي حدود اختصاصاته. فكلما اتسعت دائرة المسؤولية المشتركة، ازدادت قدرة المجتمع على صيانة العملية الانتخابية وحمايتها من مختلف أشكال الانحراف.
2- حماية الإرادة الحرة للناخب أولوية وطنية
يبقى جوهر الديمقراطية هو احترام حرية المواطن في اختيار من يمثله، بعيداً عن أي ضغط أو إكراه أو تأثير غير مشروع. ولذلك فإن أي ممارسة تستهدف توجيه إرادة الناخب باستعمال المال أو النفوذ أو استغلال الحاجة الاجتماعية تمثل مساساً بجوهر الاختيار الديمقراطي، لأنها تحول الانتخابات من تعبير حر عن الإرادة الشعبية إلى نتيجة لعوامل لا علاقة لها بالقناعة السياسية. ومن ثم، فإن صيانة حرية الاختيار ينبغي أن تظل أولوية تتقدم على جميع الاعتبارات الأخرى.
3- جودة المؤسسات تبدأ بجودة الاختيار
لا يمكن بناء مؤسسات قوية وفعالة إذا لم تكن الانتخابات نفسها قائمة على الاختيار الواعي والمسؤول. فجودة البرلمان والحكومة وباقي المؤسسات المنتخبة ليست سوى انعكاس مباشر لجودة الاختيارات التي يعبر عنها المواطنون يوم الاقتراع. ولذلك فإن الاهتمام بنوعية المرشحين، ومستوى البرامج، ونزاهة المنافسة، يشكل المدخل الحقيقي لبناء مؤسسات قادرة على الاستجابة لتطلعات المجتمع والقيام بأدوارها الدستورية بكفاءة ومصداقية.
4- المشاركة الواعية أساس الشرعية الديمقراطية
لا تكتسب الانتخابات مشروعيتها بمجرد تنظيمها وفق القانون، وإنما أيضاً من خلال المشاركة الواسعة والواعية للمواطنين فيها. فالمشاركة ليست مجرد ممارسة لحق التصويت، بل هي تعبير عن الشعور بالانتماء إلى الجماعة الوطنية، والإيمان بأن صوت المواطن قادر على التأثير في صناعة القرار العمومي. وكلما ارتفعت المشاركة المبنية على الوعي والاختيار الحر، ازدادت قوة المؤسسات المنبثقة عن صناديق الاقتراع، وتعززت شرعيتها وثقة المواطنين فيها.
5- احترام القانون وأخلاقيات التنافس أساس الثقة في المؤسسات
لا يمكن أن تنتج الانتخابات الثقة إذا لم يقترن احترام النصوص القانونية بالالتزام بأخلاقيات المنافسة السياسية. فالنزاهة لا تتحقق فقط بتطبيق القانون، وإنما أيضاً باحترام روح الديمقراطية، والامتناع عن كل الممارسات التي قد تخل بمبدأ تكافؤ الفرص أو تمس بحرية الناخبين. ولذلك فإن بناء الثقة في المؤسسات يبدأ من التزام جميع الفاعلين بقواعد المنافسة الشريفة، واحترام نتائج الاقتراع، والاحتكام إلى المؤسسات الدستورية في معالجة كل الخلافات المرتبطة بالعملية الانتخابية.
وتشكل هذه المرتكزات الخمسة الإطار المرجعي الذي تنتظم داخله المحاور الآتية، والتي تتناول أدوار مختلف الفاعلين، والتحديات التي تواجه نزاهة الانتخابات، والسبل الكفيلة بتعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ الاختيار الديمقراطي باعتباره مسؤولية وطنية مشتركة.
أولاً: الأحزاب السياسية.. المدخل الأول لنزاهة الانتخابات:
إذا كانت الانتخابات تمثل الآلية الدستورية التي يجدد بها الشعب مؤسساته التمثيلية، فإن الأحزاب السياسية تظل الفاعل الرئيسي الذي يمنح هذه الآلية مضمونها الديمقراطي. فالدستور لا ينظر إليها باعتبارها مجرد تنظيمات تتنافس حول المقاعد أو تتداول على السلطة، وإنما باعتبارها مؤسسات تؤطر المواطنات والمواطنين، وتسهم في التعبير عن إرادتهم السياسية، وتشارك في تكوين النخب وإعداد البرامج وصناعة السياسات العمومية. ومن ثم، فإن مسؤوليتها لا تبدأ مع افتتاح الحملة الانتخابية ولا تنتهي بإعلان النتائج، بل تمتد إلى مختلف مراحل البناء الديمقراطي، لأنها تشكل الحلقة الأولى التي تنطلق منها جودة التمثيل السياسي ومصداقية المؤسسات المنتخبة.
ومن هذا المنطلق، فإن أول ما يقتضي العناية هو أن تعكس البرامج الانتخابية الهوية الفكرية والسياسية لكل حزب، وأن تظل منسجمة مع المرجعيات التي يقوم عليها مشروعه المجتمعي. فالمشاركة في تدبير الشأن العام ينبغي أن تكون وسيلة لتنزيل المبادئ والاختيارات الكبرى، لا غاية مستقلة عنها. وكلما كان البرنامج واضحاً ومتسقاً مع المرجعية التي يصدر عنها الحزب، أصبح الناخب أكثر قدرة على الاختيار الواعي، لأن المواطن لا يصوت لوعود ظرفية فحسب، وإنما يمنح ثقته أيضاً لمنظومة من القيم والتصورات التي ينتظر أن تظل حاضرة في الممارسة كما هي حاضرة في الخطاب.
غير أن جودة البرامج، على أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان جودة التمثيل السياسي، إذ تبقى قيمة أي برنامج مرتبطة أيضاً بالأشخاص الذين سيتولون الدفاع عنه داخل المؤسسة التشريعية. لذلك، فإن اختيار المرشحين يمثل أحد أهم الاختبارات التي تواجه الأحزاب السياسية، لأن البرلمان لا يبنى بالشعارات، وإنما بالكفاءات القادرة على تحويل البرامج إلى مبادرات تشريعية ورقابية ومواقف سياسية مسؤولة. ومن ثم، فإن إعداد اللوائح الانتخابية ينبغي أن يقوم على معايير واضحة، في مقدمتها النزاهة والاستقامة والكفاءة، والقدرة على تحمل المسؤولية، والالتزام بالحضور والمشاركة الفعلية في العمل البرلماني، إلى جانب ما راكمه المرشح من تجربة في خدمة الشأن العام واحترامه لأخلاقيات العمل السياسي.
وفي هذا السياق، فإن النقاش الذي رافق بعض الترشيحات المعلن عنها إلى حدود هذه المرحلة يعكس اتساع اهتمام الرأي العام بجودة النخب التي ستتولى تمثيل المواطنين خلال الولاية المقبلة. وليس المقصود من إثارة هذه الملاحظة إصدار أحكام مسبقة على الأشخاص، وإنما التأكيد على أن مرحلة إعداد الترشيحات تظل فرصة متاحة أمام الأحزاب لمراجعة اختياراتها كلما اقتضى الأمر ذلك، حتى تقدم للمغاربة مرشحين قادرين على تعزيز الثقة في المؤسسة البرلمانية، والإسهام في الارتقاء بأدائها، والاستجابة لما تفرضه المرحلة المقبلة من كفاءة ومسؤولية.
ومن جهة أخرى، يبدو أن جزءاً مهماً من النقاش العمومي انصرف، منذ وقت مبكر، إلى التكهن بالحزب الذي سيتصدر نتائج الانتخابات أو سيقود الحكومة المقبلة. ورغم مشروعية هذا النقاش في الحياة السياسية، فإنه يظل سابقاً لأوانه إذا طغى على الرهان الأساسي الذي ينبغي أن يحظى بالأولوية في هذه المرحلة، وهو ضمان نزاهة العملية الانتخابية نفسها. فالانتخابات لا تستمد مشروعيتها من توقعات المحللين أو من الحسابات السياسية المسبقة، وإنما من الإرادة الحرة للناخبين، المعبر عنها في إطار تنافس متكافئ، واحترام صارم للقانون، وضمانات فعلية للنزاهة والشفافية.
ولذلك، فإن الدور الحقيقي للأحزاب السياسية لا يقاس فقط بعدد المقاعد التي ستحصل عليها، وإنما أيضاً بمدى مساهمتها في حماية مصداقية العملية الانتخابية. فالتزامها بأخلاقيات المنافسة السياسية، واحترامها لقواعد النزاهة والشفافية، وابتعادها عن كل الممارسات التي يمكن أن تؤثر في حرية اختيار المواطنين، يشكل أساساً لبناء الثقة في المؤسسات المنتخبة. فكلما كانت الأحزاب شريكاً في صيانة نزاهة الانتخابات قبل أن تكون متنافسة على نتائجها، ازدادت شرعية المؤسسات المنبثقة عنها، وتعززت ثقة المواطنين في العمل السياسي، وهو ما يشكل المدخل الحقيقي لترسيخ الديمقراطية وتقوية الدولة ومؤسساتها.
ثانياً: المشاركة المجتمعية الواسعة.. الضمانة الأولى لنزاهة الانتخابات:
إذا كانت الأحزاب السياسية تمثل المدخل المؤسساتي للعملية الانتخابية، فإن المجتمع هو الضامن الحقيقي لنجاحها. فالانتخابات لا تكتسب مشروعيتها من سلامة النصوص القانونية وحدها، ولا من حسن التنظيم الإداري فحسب، وإنما أيضاً من حجم الانخراط الواعي للمواطنات والمواطنين في ممارستها، ومن شعورهم بأنها قضية تعني مستقبلهم الجماعي. ولهذا، فإن ارتفاع نسبة المشاركة لا يمثل مجرد مؤشر إحصائي على الإقبال على صناديق الاقتراع، بل يعكس في جوهره مستوى الثقة في المؤسسات، ومدى استعداد المجتمع للمساهمة في بناء الشرعية الديمقراطية.
فكلما اتسعت المشاركة الشعبية، تقلصت فرص التأثير غير المشروع في إرادة الناخبين، وازدادت قدرة المجتمع على حماية نزاهة الاقتراع، وتعززت شرعية المؤسسات التي تفرزها الانتخابات. أما العزوف الواسع، فإنه يترك فراغاً يسهل استغلاله من قبل مختلف أشكال الفساد الانتخابي، ويضعف الإحساس الجماعي بملكية المؤسسات المنتخبة، وهو ما ينعكس سلباً على الثقة في الحياة السياسية برمتها.
ومن هذا المنطلق، فإن إنجاح انتخابات 23 شتنبر 2026 لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مسؤولية تقع على عاتق الدولة أو الأحزاب السياسية وحدها، بل هو مسؤولية وطنية مشتركة، يساهم فيها كل فرد من موقعه، وكل مؤسسة في حدود اختصاصها، وكل هيئة مدنية أو مهنية أو ثقافية أو نقابية في نطاق رسالتها المجتمعية. فترسيخ الديمقراطية ليس مهمة قطاع بعينه، وإنما هو مشروع مجتمعي تتكامل فيه الأدوار وتتقاطع فيه المسؤوليات.
ويتوفر المجتمع المغربي على رصيد بشري وتنظيمي كبير يؤهله لإنجاح هذه التعبئة الوطنية. فالعلاقات الأسرية الممتدة، وروابط الجوار، والانتماءات المهنية، والجمعيات المحلية، والفضاءات الثقافية والرياضية، وشبكات التواصل الاجتماعي، كلها تشكل قنوات فعالة لنشر ثقافة المشاركة، وتعزيز الوعي بأهمية التصويت، وترسيخ القناعة بأن اختيار ممثلي الأمة لا يخص المرشح أو الحزب فقط، بل يتعلق بمستقبل السياسات العمومية وجودة المؤسسات التي ستدبر شؤون البلاد خلال السنوات المقبلة.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من النظر إلى الانتخابات باعتبارها موسماً سياسياً عابراً، إلى اعتبارها ورشاً وطنياً تشارك فيه مختلف مكونات المجتمع. فكل أسرة تستطيع أن تسهم في نشر الوعي داخل محيطها، وكل مؤسسة يمكنها أن تجعل من هذه المرحلة مناسبة لترسيخ قيم المواطنة، وكل فضاء اجتماعي قادر على أن يتحول إلى مجال للحوار المسؤول حول أهمية الاختيار الحر وأثره في مستقبل التنمية.
ولا تقتصر المشاركة المطلوبة على الإدلاء بالأصوات يوم الاقتراع، وإنما تبدأ قبل ذلك بمتابعة النقاش العمومي، والاطلاع على البرامج الانتخابية، ومناقشتها، وتشجيع المواطنين على الاختيار الواعي، وترسيخ ثقافة رفض المال الانتخابي وكل أشكال التأثير غير المشروع في إرادة الناخبين. فالديمقراطية لا تُبنى في يوم التصويت وحده، وإنما تُبنى أيضاً في الوعي الذي يسبق التصويت، وفي السلوك المدني الذي يصاحبه، وفي احترام النتائج التي تعبر عن الإرادة الحرة للمواطنين.
ومن ثم، فإن المشاركة المجتمعية الواسعة ليست مجرد هدف انتخابي ظرفي، وإنما هي استثمار طويل المدى في بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وفي تعزيز شرعية الاختيار الديمقراطي، وفي حماية الاستقرار السياسي والتنمية. وكلما شعر المواطن بأن صوته يصنع الفرق، وأن المجتمع بأكمله شريك في حماية نزاهة الانتخابات، ازدادت قوة المؤسسات المنبثقة عنها، وترسخت الممارسة الديمقراطية باعتبارها مسؤولية جماعية وثقافة يومية، لا مجرد موعد انتخابي يتكرر كل خمس سنوات.
ثالثاً: النساء والشباب والتلاميذ والطلبة.. صناعة الوعي الديمقراطي وبناء المستقبل
لا تقتصر نزاهة الانتخابات على سلامة الإجراءات القانونية والتنظيمية، ولا تُقاس فقط بحسن سير عملية الاقتراع يوم التصويت، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال بناء وعي مجتمعي يجعل من المشاركة السياسية سلوكاً مواطنياً قائماً على المسؤولية والاختيار الحر. ويظل هذا الوعي رهيناً بانخراط الفئات الأكثر تأثيراً في تشكيل الثقافة المدنية داخل المجتمع، وفي مقدمتها النساء والشباب والتلاميذ والطلبة، باعتبارهم قوة اجتماعية قادرة على الإسهام في ترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية داخل الأسرة، والمؤسسة التعليمية، والجامعة، والفضاءات العمومية.
وتضطلع المرأة المغربية، بما راكمته من حضور متزايد في مختلف مجالات الحياة العامة، بدور يتجاوز المشاركة في التصويت أو الترشح للانتخابات، ليشمل الإسهام في تنشئة الأجيال على قيم المسؤولية والانتماء والمشاركة، وتعزيز الحوار داخل الأسرة ومحيطها الاجتماعي حول أهمية الاختيار الحر ونبذ مختلف أشكال التأثير غير المشروع في إرادة الناخبين. كما أن حضورها المتنامي داخل الأحزاب السياسية، والجمعيات، والإدارة، والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، يجعل منها شريكاً أساسياً في نشر ثقافة النزاهة وتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة.
ويمثل الشباب، من جهتهم، الرصيد الاستراتيجي لأي مشروع ديمقراطي، لأنهم الفئة الأكثر ارتباطاً بمستقبل السياسات العمومية وبالتحولات التي يعرفها المجتمع. ولذلك فإن انخراطهم في النقاش العمومي، واهتمامهم بالبرامج الانتخابية، ومشاركتهم الواعية في الحياة السياسية، لا ينعكس فقط على نتائج الانتخابات، بل يسهم أيضاً في تجديد النخب، وتطوير الخطاب السياسي، وتعزيز الثقة في المؤسسات. كما أن وسائل التواصل الحديثة التي يتقنها الشباب تمنحهم قدرة كبيرة على نشر الوعي الانتخابي، ومواجهة الأخبار الزائفة، وتشجيع المشاركة المسؤولة، بما يجعلهم أحد أهم الفاعلين في حماية نزاهة العملية الانتخابية.
ولا يقل دور التلاميذ والطلبة أهمية، رغم أن جزءاً منهم لا يتمتع بعد بحق التصويت. فالمدرسة والجامعة ليستا مجرد فضاءين للتحصيل العلمي، بل هما أيضاً مؤسستان أساسيتان لتكوين المواطن، وترسيخ قيم الحوار، واحترام الاختلاف، والمشاركة في الشأن العام. ومن خلال الأنشطة التربوية والثقافية، والنقاشات الفكرية، والمبادرات المدنية، يكتسب التلاميذ والطلبة وعياً مبكراً بأهمية المؤسسات الديمقراطية، وينقلون هذا الوعي إلى أسرهم ومحيطهم الاجتماعي، بما يسهم في توسيع دائرة الاهتمام بالشأن العام وترسيخ ثقافة المشاركة.
ومن ثم، فإن نجاح انتخابات 23 شتنبر 2026 يقتضي الاستثمار في الطاقات التي تمثلها هذه الفئات، ليس فقط باعتبارها كتلة انتخابية مهمة، وإنما باعتبارها قوة مجتمعية قادرة على إنتاج وعي ديمقراطي متجدد، يربط بين المواطنة والمسؤولية، وبين الحق في الاختيار وواجب حماية نزاهة الانتخابات. فكلما اتسع انخراط النساء والشباب والتلاميذ والطلبة في هذا الورش الوطني، تعززت فرص بناء مؤسسات أكثر مصداقية، وترسخت الديمقراطية باعتبارها ثقافة مجتمعية وممارسة يومية، لا مجرد استحقاق انتخابي دوري.
رابعاً: القوى الاقتصادية والاجتماعية.. شريك أساسي في حماية نزاهة الانتخابات
إذا كانت الأحزاب السياسية تمثل الفاعل المباشر في التنافس الانتخابي، وكانت المشاركة الشعبية هي مصدر الشرعية الديمقراطية، فإن القوى الاقتصادية والاجتماعية تشكل البيئة التي تتحدد داخلها جودة هذه المشاركة. فالعامل، والموظف، والمتقاعد، والمهني، والتاجر، والحرفي، والفلاح، لا يمثلون مجرد فئات اجتماعية متفرقة، وإنما يشكلون في مجموعهم القلب النابض للمجتمع المغربي، بما يمتلكونه من حضور يومي داخل مختلف جهات المملكة، وبما ينسجونه من علاقات إنسانية ومهنية تجعلهم قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام المحلي وفي ترسيخ ثقافة المواطنة والمسؤولية.
ولذلك، فإن نجاح انتخابات 23 شتنبر 2026 لا يتوقف فقط على أداء الأحزاب السياسية أو على سلامة الإجراءات القانونية، بل يرتبط أيضاً بمدى انخراط هذه القوى المجتمعية في حماية نزاهة العملية الانتخابية، باعتبارها شريكاً أساسياً في صيانة الاختيار الحر. فكلما اتسعت دائرة الفاعلين المؤمنين بأن نزاهة الانتخابات قضية وطنية مشتركة، ازدادت قدرة المجتمع على مقاومة مختلف أشكال التأثير غير المشروع في إرادة الناخبين.
وتحتل الطبقة العاملة، سواء في القطاع العام أو المؤسسات العمومية أو القطاع الخاص، مكانة خاصة داخل هذا النسيج المجتمعي. فهي من أكثر الفئات انتشاراً داخل المجتمع، وتجمعها فضاءات العمل بعلاقات يومية تسمح بتبادل الأفكار والآراء والخبرات. ومن ثم، فإن قدرتها على نشر ثقافة المشاركة الواعية، وتشجيع الاختيار المبني على الكفاءة والنزاهة، تجعلها أحد أهم الروافد الاجتماعية الداعمة لنزاهة الانتخابات. كما أن ارتباطها المباشر بقضايا التشغيل والأجور والحماية الاجتماعية يجعلها أكثر إدراكاً لأهمية اختيار ممثلين قادرين على الدفاع عن المصالح العامة داخل المؤسسة التشريعية.
ولا تقل أهمية المتقاعدين عن ذلك، فهذه الفئة تمثل رصيداً وطنياً راكم خبرات طويلة في الإدارة والاقتصاد والتعليم والصحة والقضاء وسائر المرافق العمومية. وبفضل هذه التجربة، يستطيع المتقاعدون الإسهام في توجيه النقاش العمومي نحو القضايا الجوهرية المرتبطة بجودة التشريع وفعالية المؤسسات، كما يمكنهم أن يكونوا صوتاً للحكمة والاعتدال داخل أسرهم ومحيطهم الاجتماعي، بما يعزز ثقافة الاختيار الحر والمسؤول بعيداً عن الانفعالات أو الاعتبارات الظرفية.. ((يتبع ))


















