لم تعد جماعة أبطيح بإقليم طانطان تواجه مجرد تجاوزات معزولة في استغلال مواردها الطبيعية، بل أصبحت تعيش على وقع استنزاف ممنهج يهدد ثرواتها ويضع السلم الاجتماعي على المحك. ففي ظل استمرار عمليات استخراج “حجارة الزينة” بوتيرة متسارعة، اختارت الساكنة كسر حاجز الصمت والدخول في اعتصام مفتوح احتجاجاً على ما تصفه بنهب منظم لخيرات المنطقة، وسط اتهامات بوجود تواطؤ محلي وصمت رسمي غير مبرر.
ويؤكد المحتجون أن أراضي الجماعة تحولت إلى فضاء مفتوح أمام شركات تستخرج الثروة الحجرية دون أن ينعكس ذلك بأي أثر تنموي على الساكنة، التي لا تزال تعاني مظاهر الفقر والهشاشة وضعف البنيات الأساسية. وبينما تغادر الشاحنات محملة بخيرات الأرض، يبقى السكان يراقبون ثرواتهم وهي تستنزف أمام أعينهم دون مقابل يضمن لهم حقهم في التنمية والعيش الكريم.
وتزداد حدة الغضب الشعبي مع ما يعتبره المحتجون غياباً مريباً للمجلس الجماعي عن أداء دوره الرقابي والدفاع عن مصالح الساكنة. فالصمت، في مثل هذه القضايا، لا يُقرأ باعتباره حياداً، بل يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا الغياب، ويغذي الشكوك بشأن وجود تهاون أو تواطؤ مع واقع يرفضه السكان بشكل قاطع.
إن ما يحدث في أبطيح يتجاوز خلافاً محلياً حول استغلال مورد طبيعي، ليطرح إشكالاً أكبر يتعلق بحكامة تدبير الثروات وربط المسؤولية بالمحاسبة. فاستغلال الموارد الطبيعية يجب أن يتم وفق القانون، وبما يحقق التوازن بين الاستثمار وحماية حقوق الساكنة والبيئة، لا أن يتحول إلى باب للريع واستنزاف الممتلكات الجماعية بعيداً عن أي رقابة فعلية.
وأمام تصاعد الاحتقان، تبدو السلطات مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتدخل العاجل لفتح تحقيق شفاف ومستقل يكشف حقيقة ما يجري، ويرتب المسؤوليات القانونية والإدارية على كل من يثبت تورطه في أي تجاوز أو إخلال بمقتضيات القانون. فالتأخر في معالجة هذا الملف لن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة ورفع منسوب الاحتقان داخل المنطقة.
إن جماعة أبطيح لا تطالب بالمستحيل، بل بحق أصيل يكفله الدستور، يتمثل في حماية ثرواتها الطبيعية وضمان استفادة أبنائها منها في إطار العدالة والشفافية. أما استمرار نزيف “حجارة الزينة” تحت غطاء الصمت، فلن يكون سوى تكريس لواقع يرفضه القانون ويرفضه الضمير، ويجعل من تدخل الدولة لإنفاذ القانون ومحاسبة كل المتورطين ضرورة وطنية لا تحتمل مزيداً من التأجيل.

















