أنا شاب من مدينة فاس، إسمي محمد الهداج، طالب جامعي كلما رأيت مشاهد عودة المهاجرين غير النظاميين، إلا وعاد بي الزمن إلى مرحلة من حياتي كنت فيها واحدا من أولئك المهووسين “بالحريك”، ممن صدقوا أن البحر قد يكون أقصر طريق إلى الحياة البديلة، فيتسلل إليهم ذلك الشعور القاسي بأن الأحلام لم يعد لها مكان هنا، وأن الضفة الأخرى تحمل الإجابة عن هروبهم من واقع بات لا يطاق.
حاولت مرتين أن أخرج إلى الجنة عبر البحر، المحاولة الأولى لم تكتمل لأسباب تتعلق بالحالة الجوية والأمنية وألغيت بعد مرور أسبوعين من الانتظار. فعدت للمنزل مثقلا بخيبة لا أستطيع أن أبوح بها لأحد، وأخفيها خلف ابتسامة حتى لا يرى أهلي حجم الانكسار الذي بداخلي.
♦ المحاولة الثانية كانت أكثرها قسوة:
بعد ليالي طويلة قضيتها في طنجة رفقة أصدقاء من فاس وخارجها ، لم نكن نسهر بحثا عن المتعة، بل كنا نسهر لأن النوم كان يعجز عن زيارة من يحمل هم المستقبل، جمعتنا الخيبة أكثر مما جمعتنا المعرفة. كل واحد منا كان يحمل حكاية مختلفة، لكن النهاية التي كنا نهرب منها انذاك كانت واحدة.. وبعد أن اطلعنا عن كثب على أساليب سماسرة الهجرة بطنجة، واكتشفنا حجم النصب والابتزاز الذي يمارسونه في حق كل شاب يحلم بعبور البحر، ومع تجاوز ثمن الرحلة عشرة ملايين سنتيم، وهو مبلغ كان يفوق قدرتنا جميعا، بدأ اليأس يدفعنا إلى التفكير في حلول بدت لنا آنذاك منطقية، رغم ما تحمله من مجازفة.
وبعد نقاشات طويلة وشاقة، اقترح أحدنا: لماذا لا نشتري قاربا ونبحر به بأنفسنا؟ خصوصا وأن احد اصدقائنا وهو ابن مدينة طنجة، أكد لنا أنه سيتولى قيادة القارب، وسيصطحب زوجته وأبناءه معنا في الرحلة، مما جعل الفكرة تبدو أقل خطورة وأكثر إقناعا، ومنذ تلك اللحظة، انطلقنا نبحث في منصات البيع والشراء عن قارب مناسب. لكننا لم نجد ما نبحث عنه في طنجة، لكثرة الطلب على القوارب المخصصة للاستجمام والتنزه، في وقت كنا نبحث عنها، “بالريق الناشف” من أجل الهجرة السرية.
وبعد بحث مضن، عثرنا على إعلان لقارب معروض للبيع بمدينة فاس، فسافرت رفقة صديقي عبد الرزاق وإسماعيل لمعاينته، دون أن نعلم أن ما ينتظرنا بعد ذلك سيغير كثيرا من قناعاتنا.. اتصلنا بصاحبه فقادنا للمكان حتى وقفنا أمام القارب نتأمله كما يتأمل الغريق قطعة خشب وسط بحر هائج. لم نكن نرى قاربا، بل كنا نرى أحلاما مؤجلة، وأعمارا أنهكها الانتظار، ومستقبلا ظننا أنه أصبح على بعد خطوات.
دفعنا عربونا بقيمة 1000درهم واتفقنا انه بعد يوم او يومين سنأتي لاتمام باقي الثمن المحدد من قبل في 31000 درهم ثم حمله الى غابة م بطنجة وهو المكان الذي اتفقنا مسبقا اننا سننطلق منه في رحلتنا، خرجنا من عند صاحب القارب ونحن نعتقد أن أصعب المراحل قد انتهت، وأن حلمنا أصبح أقرب من أي وقت مضى. لكن الحقيقة كانت تنتظرنا خارج الباب. هناك فقط اصطدمنا بالسؤال الذي لم يخطر ببالنا: كيف سننقل القارب من فاس إلى طنجة؟
في البداية بدا الأمر بسيطا، لكن بعد استشارة بعض الأصدقاء، اكتشفنا أن مجرد نقل القارب قد يثير مساءلات قانونية، وربما يجر علينا متابعات لم نكن مستعدين لها. عندها تبدد ذلك الشعور بالانتصار، وحل محله قلق جديد. وجدنا أنفسنا أمام عقبة لم نحسب لها حسابا، وأمام سؤال ظل يطاردنا بلا جواب ليومين : إذا كان الوصول إلى القارب ممكنا، فكيف سنوصله إلى البحر؟
اتصلت بصديقي إدريس الذي كان يقلنا اينما رحلنا وارتجلنا، وكنت أعتقد أنه سيجد لنا حلا كما كان يفعل دائما في بعض المواقف العادية، أنصت إلي حتى انتهيت من الكلام، ثم ساد صمت قصير، قبل أن يقول جملة ما زالت ترن في أذني إلى اليوم: “نهز ليك بوليسي ميت اخي الهداج.. وما نهزش قارب ديال الحراگة.”
لم تكن كلماته قاسية بقدر ما كانت صادقة. كانت أول مرة أشعر أن الحلم الذي نحمله لم يعد يبدو حلما في أعين الآخرين، بل مخاطرة قد تدمر حياة من يقترب منها، ورغم ذلك لم استسلم،. اتصلت بصديقي مصطفى، الذي كان يشتغل بمحطة المسافرين بفاس، عله يجد مخرجا. لكنه أجابني بهدوء: “هذا الأمر ممنوع قانونا، ولا أعتقد ان شخصا ما سيقبل ذلك..
في تلك اللحظة، شعرت أن كل الأبواب أُغلقت دفعة واحدة. لم يعد الأمر يتعلق بقارب، بل بحلم ظل يبتعد كلما ظننت أنني اقتربت منه، فتراجع الاصدقاء واحد، ثم آخر، حتى انهارت الفكرة كلها.
في تلك الليلة لم ينكسر مشروع شراء قارب فقط… بل انكسرت قلوب كانت تتعلق بآخر خيط من الأمل.
تفرقت المجموعة، وضاع العربون، وعاد كل واحد يحمل خيبته بصمت. أما أنا، شعرت لأول مرة أن الفقر لا يسرق من الإنسان جيبه فقط، بل قد يسرق منه قدرته على الحلم.
♦”الحريك”.. مقلب الفواجع والرعب الشديد:
ما عاشته مدينتي سبتة ومليلة المحتلتين من إسبانيا، ضمن أحداث التدفق الكبير وغير المسبوق من المغرب إلى الثغرين المحتلين، وخصوصا سبتة، قلب علي فواجع الحريك والرعب الشديد، فكلما رأيت شابا يعود لوطنه، أدرك أن الله قد يغلق بابا نلعنه يومها، ثم نكتشف بعد سنوات أنه كان الباب الذي أنقذ حياتنا.
فالأوطان لا تبنى بالهروب منه، وإنما بسواعد أبنائه وإيمانهم بقدرتهم على التغيير، فقد لا يكون الطريق سهلا ومفروشا بالورود، لكنه أكثر أمنا وكرامة من طريق المجهول الذي قد ينتهي بفقدان الحياة أو ضياع المستقبل، لذلك يبقى الرهان الحقيقي ليس على انتظار الفرص، بل على صناعتها، والانخراط في المبادرات التنموية والإنخراط الواعي في الاحزاب السياسية والمشاركة في الحياة العامة، وهذه هي أهم وسائل الإسهام في الإصلاح والتغيير من داخل الوطن، لأن الديمقراطية لا تتقدم إلا بمشاركة المواطنين، وخاصة الشباب، بأفكارهم وكفاءاتهم ومسؤوليتهم. فبدل أن نترك الآخرين يرسمون مستقبلنا، علينا أن نكون جزءا من صناعته داخل وطننا.


















