لم تعد الأسلاك الشائكة التي تعلو أسوار سبتة ومليلية مجرد حدود تفصل بين دولتين، بل تحولت إلى مرآة فولاذية تعكس وجهاً مؤلماً لواقع اجتماعي يزداد تصدعاً. فكل موجة اندفاع نحو تلك الأسوار ليست هروباً من الوطن، وإنما هروب من الإحباط، ومن اقتصاد يضيق بأحلام شبابه، ومن سياسات أتقنت صناعة الخطابات أكثر من صناعة الفرص.
المشهد لم يعد يحتمل التجميل. آلاف الشباب لا يركضون وراء “الفردوس الأوروبي” كما يحلو للبعض أن يروج، بل يفرون من واقع أصبح فيه الأمل سلعة نادرة، والعمل امتيازاً، والكرامة مشروعاً مؤجلاً إلى أجل غير معلوم. وحين يصبح البحر أقل قسوة من اليابسة، فاعلم أن الخلل لم يعد اقتصادياً فقط، بل أخلاقياً وسياسياً أيضاً.
والمفارقة الساخرة أن كل مأساة تُقابل بالوصفة ذاتها؛ بيانات باردة، وتصريحات مطمئنة، ووعود تُستهلك أسرع مما تُكتب. أما الأسئلة الحقيقية، فتُدفن تحت ركام لغة خشبية لم تعد تقنع حتى أصحابها. وكأن المطلوب إخفاء الدخان، لا إخماد الحريق.
لقد أُفرغت مؤسسات الوساطة من مضمونها، وتراجع دور الأحزاب والنقابات في احتضان نبض الشارع، فصار الشباب يفاوض اليأس منفرداً. وعندما تُغلق أبواب المشاركة، تفتح أبواب المغامرة، وعندما تُصادر الثقة، يصبح السياج الحدودي أقل رهبة من جدار الإقصاء داخل الوطن.
إن أزمة سبتة ومليلية ليست أزمة أمن حدود، بل أزمة نموذج تنموي يئن تحت وطأة الاختلالات، وعقد اجتماعي يحتاج إلى مراجعة شجاعة لا إلى مساحيق إعلامية. فلا يمكن إقناع الشباب بحب وطن لا يمنحه فرصة عادلة للحياة، ولا يمكن مطالبة المواطن بالدفاع عن الأمل بينما تُحاصر أحلامه كل يوم.
إن أخطر ما تكشفه هذه المشاهد ليس عدد المهاجرين، بل عدد السياسات التي سقطت أخلاقياً قبل أن تسقط عملياً. فالوطن الذي يعجز عن احتضان طاقاته، يتركها فريسة للبحر أو للأسلاك أو للمجهول.
وعندما تصبح أسوار سبتة ومليلية أكثر قدرة على فضح الواقع من آلاف البلاغات الرسمية، فإن الحقيقة تكون قد خرجت من مكاتب الإدارة لتكتب نفسها بدموع الأمهات، وبخطوات شباب لم يغادروا الحدود فقط، بل غادروا الثقة في مستقبل كان يفترض أن تصنعه الدولة لا أن تتركه رهينة السراب.

















