في الوقت الذي يواصل فيه المغرب استعداداته لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030، من خلال إنجاز مشاريع كبرى وتطوير بنياته الرياضية واللوجستية، اختار ثلاثة أبطال مغاربة من دوي الاحتياجات الخاصة متخصصون في رياضة الدراجة اليدوية (Handbike) أن يواكبوا هذا الورش الوطني بمبادرة رياضية وإنسانية تحمل الكثير من الدلالات.
وفي هذا السياق وبعيدا عن الأضواء والمنافسات التقليدية، يستعد كل من محمد الكوشي، والحسين الفحلي، ومحمد آيت به، لخوض تحد استثنائي يتمثل في قطع 930 كيلومترًا بقوة السواعد، انطلاقًا من مدينة مراكش وصولًا إلى طنجة، في رحلة ترمز إلى الإرادة والصمود، وتؤكد أن الإعاقة لا تشكل عائقًا أمام تحقيق الإنجازات.
وتنطلق هذه المبادرة خلال شهر شتنبر المقبل2026، عبر مسار يمتد على اثنتي عشرة مرحلة، يربط بين عدد من المدن المغربية، من بينها مراكش وأكادير والدار البيضاء والرباط وفاس، قبل الوصول إلى مدينة طنجة، تحت شعار “ROULEZ AVEC NOS CHAMPIONS”، في مشروع يجمع بين التحدي الرياضي والرسالة الإنسانية، ويهدف إلى إبراز القدرات التي يزخر بها الرياضيون في وضعية إعاقة، وتعزيز حضور الرياضة البارالمبية داخل المجتمع المغربي.
ويحمل اختيار مدينة مراكش كنقطة لانطلاق هذه الرحلة دلالة خاصة، بالنظر إلى مكانتها ضمن المدن التي ستحتضن منافسات كأس العالم 2030، فضلاً عن احتضانها الاستعدادات الأولية لهذا المشروع داخل مركب جنان فايزة، الذي وفر فضاءً مناسبًا لانطلاق التحضيرات، تحت إشراف مديره السيد مولاي يوسف مسكين، الذي واكب مختلف الجوانب التنظيمية واللوجستية، إيمانًا منه بالدور الذي تضطلع به الرياضة في ترسيخ قيم الإدماج والمساواة، وجعلها وسيلة لتعزيز مشاركة الأشخاص في وضعية إعاقة في مختلف مناحي الحياة.
رحلة مراكش طنجة.. رسالة للأمل والإصرار:
وبين مراكش وطنجة، لن تكون الرحلة مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل ستكون مسيرة للأمل والإصرار، ورسالة موجهة إلى العالم مفادها أن المغرب، وهو يستعد لاستقبال أكبر حدث كروي على وجه الأرض، يراهن أيضًا على الإنسان، ويؤمن بأن أعظم الإنجازات لا تصنعها الإمكانات وحدها، وإنما تصنعها العزيمة والإرادة والإيمان بأن المستحيل ليس سوى تحدٍ ينتظر من يتجاوزه.
ووفق ما كشف عنه الأبطال الثلاثة في رياضة الدراجة اليدوية، يقتصر هذا المشروع على إنجاز رياضي يتمثل في قطع مسافة طويلة بالدراجة اليدوية، بل يتجاوز ذلك ليحمل بعدًا مجتمعياً واضحًا، من خلال نشر ثقافة الرياضة البارالمبية، وتشجيع الأطفال والشباب في وضعية إعاقة على الانخراط في الممارسة الرياضية، فضلاً عن تنظيم لقاءات وورشات تحسيسية داخل المؤسسات التعليمية للتعريف بهذه الرياضة، وترسيخ ثقافة تقبل الاختلاف والإيمان بالقدرات بدل التركيز على الإعاقة. كما تتضمن المبادرة جانبًا تضامنيًا يروم المساهمة في توفير دراجات يدوية لفائدة شباب في وضعية إعاقة، بما يتيح لهم فرصة ممارسة الرياضة والانفتاح على آفاق جديدة.
ويستند الأبطال الثلاثة إلى تجربة رياضية مهمة راكموها من خلال مشاركاتهم في عدد من المنافسات الوطنية والدولية، وتمثيلهم للمغرب في تظاهرات رياضية مرموقة، من بينها UCI Gran Fondo World Séries، وهو ما يمنح هذا التحدي بعدًا احترافيًا، ويعكس التطور الذي تعرفه رياضة الدراجة اليدوية بالمملكة، والقدرة المتزايدة للرياضيين المغاربة على رفع العلم الوطني في مختلف المحافل.
وفي رسالة تختزل روح المبادرة وأهدافها، أكد أعضاء الفريق أنهم لا يسعون فقط إلى قطع المسافة الفاصلة بين مراكش وطنجة، بل إلى إيصال رسالة أمل إلى المجتمع، جاء فيها: “قبل أن يأتي العالم إلى المغرب سنة 2030، أردنا أن نربط مدنه بسواعدنا. هذا التحدي ليس سباقنا وحدنا، بل هو رسالة من كل مغربي يؤمن بأن الإعاقة لا تعني الاستسلام. حيث يرى البعض كرسيًا متحركًا، نرى نحن وسيلة لصناعة الإنجاز، ونؤمن بأن الحدود الحقيقية توجد في العقول، لا في الأجساد.”
وتعكس هذه الكلمات فلسفة المشروع، التي تجعل من الرياضة وسيلة لتغيير الصور النمطية، وإبراز أن الإرادة والعزيمة قادرتان على تجاوز مختلف الصعوبات، وأن الأشخاص في وضعية إعاقة يشكلون طاقات حقيقية قادرة على الإبداع والعطاء متى توفرت لها الظروف المناسبة.
ويرتقب أن يحظى هذا التحدي باهتمام إعلامي ومجتمعي واسع، في ظل ما يحمله من أبعاد رياضية وإنسانية ووطنية، فيما يواصل المنظمون اتصالاتهم مع عدد من المؤسسات العمومية والفاعلين الاقتصاديين والقطاع الخاص من أجل توفير الدعم اللازم لإنجاح هذه المبادرة، حتى تشكل نموذجًا لمشاريع مواطنة تواكب استعدادات المغرب لاحتضان كأس العالم 2030، وتبرز الوجه الإنساني للمملكة إلى جانب ما تشهده من تطور في البنيات التحتية والمنشآت الرياضية.

















