واقع مرير كل خمس سنوات، تعاد نفس المسرحية: حملات إنتخابية صاخبة، وعود مكررة، وجوه “جديدة” بخطاب قديم، ثم صناديق اقتراع، ثم حكومة “جديدة”… وفي الأخير: لا شيء يتغير. هذا ليس تشاؤما، بل خلاصة تجربة عقود من “التداول” الذي لا يداول شيئا حقيقيا. آن الأوان أن نقولها بصراحة: الانتخابات في صيغتها الحالية ليست أداة تغيير، بل أداة لإدارة الوهم.
أولا: تتغير الوجوه.. لا تتغير القواعد:
منذ عقود تتعاقب على الحكومة أحزاب وائتلافات مختلفة الأسماء، متشابهة النتائج. يمين، يسار، “تكنوقراط”، “أحزاب إدارية”… كل حكومة تأتي بشعار “الإصلاح” و”محاربة الفساد” و”تقريب الإدارة من المواطن”، وكل حكومة تغادر تاركة الملفات نفسها معلقة: الغلاء، البطالة، تدهور الصحة والتعليم العموميين، الهجرة، الفوارق الطبقية والمجالية. لو كانت الإنتخابات فعلا أداة تغيير، لكانت النتائج تغيرت ولو مرة واحدة بشكل ملموس في حياة الناس اليومية
فحين تتغير الحكومة ولا يتغير واقع المواطن فالمشكلة ليست في هذه الحكومة أو تلك بل في الآلية نفسها: نظام يمنح “الحق في الاختيار” داخل هامش ضيق جدا، محسوب سلفا لا يمس جوهر توزيع السلطة والثروة.
ثانيا: من يحكم فعلا لا ينتخب:
هنا يكمن جوهر الوهم: الحكومة المنتخبة تدير تفاصيل يومية محدودة، بينما القرارات الكبرى -الاقتصادية، الاستراتيجية، حتى بعض التعيينات المفصلية- تتخذ خارج دائرة المؤسسات المنتخبة، في دوائر نفوذ لا تخضع لمحاسبة صناديق الاقتراع ولا لرقابة البرلمان. فما جدوى أن تختار مواطنا “ممثلاً” عنك في البرلمان، إن كانت الصلاحيات الفعلية محتكرة في مكان آخر لا تصل إليه ورقة التصويت أصلا؟
هذا بالضبط ما يجعلني أن أصف هذا النمط بأنه “مرونة في الشكل، وعناد في المضمون”: تقدم للناس واجهة تعددية وإنتخابية، بينما يبقى مركز القرار الحقيقي محصنا بعيدا عن أي تداول فعلي.
ثالثا: البرلمان.. غرفة صدى لا مركز قرار:
حين تفقد المؤسسة التشريعية القدرة على المساءلة الفعلية، وحين تتحول اللجن والمجالس إلى فضاءات شكلية توظف حضورها أكثر مما توظف صلاحياتها، يصبح البرلمان أقرب إلى “غرفة صدى” يشرعن فيها ما تقرر في مكان آخر، لا فضاء ينتج فيه القرار. وهذا يفسر أيضا لماذا يشعر كثير من المغاربة أن التصويت لا طائل منه: لأن تجربتهم المتكررة أكدت لهم أن من ينتخبونه لا يملك فعليا أن يغير مسار الأمور الجوهرية.
رابعا: الشباب الذي فهم اللعبة قبل أن يشرح له أحد:
حين يقبل شاب مغربي على الهجرة غير النظامية وهو يبتسم فرحا وكأنه يهرب من سجن لا من وطن، فهذا مؤشر على أن جيلا كاملا استنتج -دون أن يقرأ نظرية سياسية واحدة- أن آليات “التغيير الرسمي” المتاحة له لا تصل إلى جذور مشكلته. حين يفقد الشاب الثقة في صندوق الاقتراع كوسيلة لتغيير واقعه، يبحث عن مخرج آخر، ولو كان قارب موت.
خامسا: فماذا نفعل إذن؟
القول بأن الانتخابات وهم لا يعني الدعوة إلى الاستسلام أو الصمت، بل إلى إعادة تعريف المعركة: المطلب لم يعد فقط “من سيحكم؟”، بل “من يملك القرار فعلا، وكيف نخضعه للمحاسبة؟”. لا قيمة لصندوق اقتراع بلا صلاحيات حقيقية خلفه، ولا قيمة لحكومة “منتخبة” إن كانت مجرد واجهة تنفيذية لقرارات تُتخذ خارجها.
المعركة الحقيقية إذن ليست معركة صناديق فقط، بل معركة وعي جماعي يفضح هذه الآلية، ويطالب بأن يصبح التصويت فعلا ذا معنى: بصلاحيات حقيقية، ومحاسبة حقيقية، وتوازن حقيقي في السلط. أما أن نستمر في تكرار نفس المسرحية كل خمس سنوات وننتظر نتيجة مختلفة، فذاك أقرب إلى الوهم منه إلى الأمل.

















