حين ينحدر الخطاب الصادر عن المكلف بالعدل إلى مستوى مخاطبة المحامين بعبارات من قبيل: “من أنتم؟”، وبنبرة تستحضر منطق “زنقة زنقة”، فذلك ليس مجرد زلة لسان عابرة، بل مؤشر مقلق على عقلية تدبير تعتبر الاختلاف خصومة، وتحاول مواجهة أصحاب الرأي والمواقف بلغة الاستفزاز بدل لغة الدولة والمؤسسات.
نحن لسنا رعايا في ضيعة خاصة حتى يُسأل المحامون بالعبارة المستفزة: “من أنتم؟”، بل نحن مواطنون قبل كل شيء، والمحامون جزء من هذا الوطن، ومن نسيجه الحقوقي والمؤسساتي، وحضورهم في معارك الدفاع عن الحقوق والحريات وسيادة القانون ليس منّة من أحد، ولا فضلًا من مسؤول، بل هو جزء من رسالة دستورية ومهنية وتاريخ نضالي طويل.
المسؤول الذي يحترم موقعه ومؤسسات الدولة لا يخاطب المواطنين بمنطق الاستعلاء، ولا يلوّح بلغة التحقير، ولا يختزل الاختلاف في سؤال ينضح بالتعالي من قبيل: “من أنتم؟”، لأن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من أنتم؟ بل: أي منطق هذا الذي يريد تدبير الشأن العام بمنطق الاستفزاز؟ وأي تصور هذا الذي يرى في المحامين خصمًا بدل أن يراهم شريكًا في الدفاع عن العدالة ودولة الحق والقانون؟

إن كرامة المحامي ليست تفصيلًا عابرًا، واستقلالية المهنة ليست ملفًا تقنيًا يمكن العبث به، والمحاماة ليست قطاعًا يُخاطَب بمنطق التعليمات أو الاستفزاز أو التهديد المبطن، ومن يعتقد أن بإمكانه تبخيس المحامين أو النيل من رمزيتهم وهيبتهم، فهو لا يسيء إلى فئة مهنية فقط، بل يسيء إلى العدالة نفسها، وإلى صورة المؤسسات، وإلى منطق الدولة التي يُفترض أن تقوم على الاحترام والحوار والإنصات.
فالمحامون لن يقبلوا بأن يتحول النقاش حول قضايا المهنة إلى مناسبة للمس بالكرامة أو التطاول على المحامين، كما أنهم يرفضون بأن يُخاطَب المحامون، أو أي مواطنين، بلغة فيها من الغرور أكثر مما فيها من المسؤولية، ومن الاستفزاز أكثر مما فيها من الحكمة، فالمحاماة ليست الحلقة الأضعف، والمحامون ليسوا من طينة من يُسأل باستخفاف: من أنتم؟، والجواب هو أن المحامين كانوا وسيظلون في الصفوف الأولى دفاعًا عن الحقوق والحريات والمؤسسات، وعن استقلال القضاء، وعن دولة الحق والقانون، وعن كرامة المواطن، ومن لا يدرك قيمة المحاماة ودورها، فالمشكلة ليست في المحامين، بل في فهمه هو لمعنى الدولة، ولمعنى العدالة، ولمعنى احترام المواطنين.
فحين افتتح رئيس الجمعية كلمته بقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾، فإنها ليست مجرد تلاوة لآية كريمة، بل رسالة بليغة في توقيتها ودلالتها، خاصة بعد أن شهدنا توظيفًا للآيات القرآنية في غير محلها، وصدور خطاب من قبيل: “من أنتم؟” في مواجهة المحامين، لذلك نحمس في أذان الوزير وهبي ومن خلاله رئيسه في الحكومة، بأن الأمر بلغ حدًّا لا يمكن القبول به، وأصبح من الواجب أن يكون الرد في مستوى المسؤولية، بالثبات، ووحدة الصف، والدفاع عن كرامة المحاماة واستقلاليتها، بعيدًا عن أي مزايدات أو إساءات. فالمحاماة رسالة، وستظل كذلك، ولن تثنيها العبارات المستفزة عن أداء دورها في الدفاع عن الحقوق والحريات وصيانة دولة القانون.

















