وسط أجواء من البكاء والعويل وقلوب تدمي حزنا وألما مصلحيا وسياسيا، أنهت الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الاستثنائي لأول حزب بالمغرب يقود الحكومة الحالية، انطلقت فعالياته بعد عصر هذا اليوم السبت 7 فبراير الجاري بضواحي مدينة الجديدة، (أنهت) الجدل بخصوص تنحي عزيز أخنوش من العمل السياسي ومغادرته لعش”الحمام”، وبالتبعية لن يراهن عليه إخوانه للتربع على كرسي حكومة المونديال، حيث أجابت أجواء المؤتمر على كل القراءات والتحليلات التي أعقبت قرار أخنوش في الـ10 من يناير الماضي، مؤكدة على أن الأمر يتعلق بتصريفه من العمل الحزبي والحكومي وليس بإرادة شخصية.
هذا وفور إعلان رشيد الطالبي العلمي، رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار، عن انطلاق أشغال المؤتمر، عشية اليوم السبت، بمدينة الجديدة، بعد التأكد من اكتمال النصاب القانوني، عاشت الجلسة الافتتاحية لحظات مؤثرة، حيث ذرف رئيس الحزب، عزيز أخنوش، الدموع وهو يعاين مساره السياسي الذي صرف عليه ما لا يعد ويحصى من أمواله وأموال ريعه الحكومي، وهو يخرج من بين يديه، بعدما وجد نفسه مجبرا على التنحي وفي نفسه غصة مغادرة مقعد “الحمامة”وكرسي الحكومة، خصوصا أنه ظل يراهن معية وزرائه وأنصاره من الأعيان على ترأسه لحكومة المونديال.
فبكاء أخنوش والذي بدا حارقا كدموع شيعية وهو يودع مقعد رئاسة”الأحرار”ومن بعده كرسي الحكومة، رأى فيها المتتبعون والمحللون، دليلا على أنه ثمة أوامر عليا وراء تنحي أخنوش من حزب”الأحرار” والعمل السياسي، مع صرف النظر عن ولاية ثانية لرئاسته للحكومة، ودليلهم على ذلك، أجواء الحزن التي طغت على المؤتمر الاستثنائي بالجديدة، وكأن الأحرار يوجدون في خيمة مأتم كبيرة غمره العويل والبكاء في سابقة في تاريخ مؤتمرات الأحزاب السياسية بالمغرب.
من جهته حاول رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر، رشيد الطالبي العلمي، بأن يُقلل من أثر دموع لم يقوى أخنوش على كتمها داخل جفونه، وقلبه مذمى وجريح للطريقة التي جرى فيها تصريفه من قيادة “الأحرار”و “وأد”طموحه لولاية حكومية ثانية، حيث علق الطالبي العلمي في كلمته في المؤتمر، بأن أخنوش بكا متأثراً بحجم الاستقبال والترحيب الذي حظي به من طرف المؤتمرين داخل قاعة المؤتمر، في مشهد طبعته شعارات داعمة من قبيل: “أغراس أغراس عزيز يا ولد الناس” و“عزيز ارتاح ارتاح سنواصل المسار”، لكن المفارقة العجيبة هو أن الطالبي لم يتماكل هو الآخر نفسه فأجهش بالبكاء عند لحظة تسليم أخنوش مفاتيح الحزب لخليفته شوكي، وهو ما يؤشر على أنه في هذه المغادرة سر عظيم.
فتسليم عزيز أخنوش رئاسة الحزب لمحمد شوكي، عضو المكتب السياسي ورئيس الفريق النيابي للحزب بمجلس النواب، يُنتظر بعده بأن يزيد الضغط السياسي على صاحب مقولة”أغراس.. أغراس”والتي نجح عبرها بـ”النصب”على أصوات المغاربة وهو يهمهم بأنهم “يتساهلو أحسن”، حيث ستتسع أصوات المطالبين بمحاسبته على أدائه الحكومي، وتحويله للسنة الحالية والأخيرة من عمر حكومته، إلى سنة بيضاء بعدما خسر أخنوش موقعه السياسي القيادي على رأس حزبه الذي سبق للملك بأن اختاره بناء عليه، وعينه رئيسا للحكومة الحالية.
تنحي أخنوش بأوامر عليا أكدتها محطة المؤتمر الاستثنائي”للأحرار”هذا اليوم السبت في الجديدة، حيث قرر المؤتمر بعد تزكية محمد شوكي رئيسا، تمديد هياكل الحزب وروابطه المهنية، مما يعني الإبقاء على الحالة كما هي حتى ما بعد الانتخابات، وهو ما سبق وأن طالب به أخنوش قبل 24 ساعة عن إعلانه التنحي، ليبقى المتغير الوحيد في حزب ما بعد مؤتمر الجديدة، هو خروج أخنوش بمفرده والباقي احتفظوا بمقاعدهم.
فما وقع دفع جانبا كبيرا من المتتبعين والمحللين، إلى تبني فرضية لجوء أخنوش مكرها على قبول عدم استمراره على رأس حزبه، وما يرتبط بذلك ضمنيا بإبعاده من رئاسة الحكومة، وهو ما يجعل من ذلك ليس مجرد رغبة أو تقدير من مسؤول سياسي، بل هو تدشين رسمي لتوجه جديد، بدايته كانت مع أخنوش وستليه إشارات ستوجه إلى نماذج سياسية مماثلة في بقية الأحزاب ووزراء في الحكومة والبرلمان والجماعات المحلية، حتى يعلنون عن طواعية عن نهاية الصلاحية، وفتح المجال أمام التصور الجديد للعمل السياسي، ومغرب ما بعد 2026 .
ويتوقع البعض مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في شتنبر 2026، كما يقولون بأن نرى”ديناصورات”الريع والفساد والتي تختار الانتخابات”كحصان طروادة”بغرض التسلل إلى مراكز القرار والاغتناء منه، لتعلن اليوم قبل الغد عن انسحابها من العمل السياسي وعدم ترشحها للانتخابات المقبلة، في مقابل حفاظها عن مكتسباتها ومصالحها.
من جهة أخرى أختار مراقبون آخرون، طرح أسئلة كثيرة ومعقدة، بعد واقعة”قرار أخنوش التنحي”، منها هو التصور السياسي الجديد؟ وماهي نخبه؟ ومن سيسير الشأن العام في ظل غياب نقاش حقيقي؟ أين هي الشخصيات السياسية القادرة على الجدة والتجديد ؟ هل مازالت جدوى للنقاش السياسي بعد ما قتلته السياسة؟ وأي أفق سياسي باق في ظل السياق الذي يعيشه المغرب؟ هل بقي اليسار يسارا واليمين يمينا؟ وما جدوى ممارسة السياسة في المغرب إذا كان الكل مبرمجا سلفا وقواعد اللعبة معروفة نتائجها مسبقا، ثم أين هي الأحزاب التي ستحمل هذا التصور في حال ما إذا بقي شيء إسمه”ساس يسوس”؟


















