حين تفتح طنطان أبوابها في الفترة الممتدة من 3 إلى 7 أكتوبر 2026، فلن تكون المدينة أمام موسم احتفالي عادي، ولا أمام خمسة أيام من الغناء والفرجة فقط. إنها أمام موعد تفرض فيه الصحراء حضورها، ويصبح التراث الحساني أمام امتحان حقيقي
إما أن يتحول إلى قوة ثقافية نابضة، أو يبقى حبيس صورة فولكلورية تتكرر كل عام.
الدورة التاسعة عشرة من موسم طنطان تأتي هذه السنة تحت شعار «موسم طنطان تراث إنساني وجسر للتبادل الثقافي»، وهو شعار يضع التظاهرة أمام مسؤولية أكبر من مجرد تنظيم برنامج احتفالي. فالموسم، الذي اكتسب منذ سنوات مكانة خاصة في خريطة التظاهرات الثقافية، مطالب اليوم بأن يبرهن أن التراث الصحراوي ليس مادة للعرض فقط، بل منظومة ثقافية متكاملة تختزن تاريخ الرحل وقيم الكرم والتعايش وسباق الهجن وفنون العيش في الصحراء.
والرهان يصبح أكثر وضوحاً مع استضافة دولة الإمارات العربية المتحدة كضيف لهذه الدورة. فحضور الثقافة الإماراتية يفتح نافذة واسعة للتبادل بين تجربتين تنتميان إلى فضاء صحراوي مشترك، لكن القيمة الحقيقية لهذا الانفتاح ستتوقف على قدرته على إنتاج حوار ثقافي جاد، لا مجرد تبادل بروتوكولي للوفود والعروض.
أما استعراض الإبل سباق الهجن والفنون التقليدية والخيام والسهرات الموسيقية، فهي ليست تفاصيل هامشية في المشهد. إنها قلب الموسم وروحه. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول التراث إلى سلعة موسمية تستدعى أمام الجمهور ثم تترك للنسيان بمجرد إسدال الستار.
وهنا تحديداً يجب أن تكون الرسالة حازمة
التراث الذي لا يُوثق ولا يُنقل إلى الأجيال ولا تتحول قيمته إلى مشاريع تنموية، مهدد بأن يصبح مجرد ذاكرة معلقة على جدران الماضي.
ومن هذه الزاوية، يكتسب البعد الاقتصادي للموسم أهمية استثنائية. فإدراج مؤتمر حول فرص الاستثمار والتنمية في الأقاليم الجنوبية يجب ألا يتحول إلى منصة للخطب والشعارات. المطلوب هو ربط الثقافة بالاقتصاد، والهوية بالسياحة، والموروث بالصناعات الإبداعية، حتى يصبح موسم طنطان منتجاً للقيمة وفرص العمل، وليس مجرد مستهلك للميزانيات والجهود.
وما يزيد من ثقل المسؤولية أن موسم طنطان أدرج سنة 2008 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى اليونسكو. وهذا الاعتراف الدولي لا يمنح التظاهرة حق الاكتفاء بالمجد السابق، بل يرفع سقف المحاسبة الثقافية ويجعل حماية الموروث وتثمينه مسؤولية مستمرة.
لذلك، فإن دورة 2026 مطالبة بأن تكون أكثر من موسم احتفالي عليها أن تكون بياناً عملياً بأن الصحراء المغربية قادرة على تحويل تراثها إلى قوة ناعمة، واقتصاد ثقافي وجسر حقيقي نحو العالم فطنطان حين تستعيد صوتها لا تستعرض الماضي فقط بل ترسم ملامح مستقبل لا مكان فيه لتراث يحتفى به ثم ينسى.


















