في طانطان لم تعد أزمة القطاع الصحي تحتمل مزيداً من المساحيق اللغوية ولا البيانات المطمئنة، فحين تصل مأساة وفاة سيدة حامل بعد نقلها نحو أكادير إلى الرأي العام، فإن الأمر يتجاوز حدود حادث مؤلم، ليفتح الباب أمام سؤال أكثر قسوة هل أصبحت المسافة الجغرافية قدراً محتوماً على سكان الأقاليم الجنوبية عندما يتعلق الأمر بحقهم في العلاج والإنقاذ؟
القضية وفق المعطيات التي حصلت عليها”الميادين”، ترتبط بحالة صحية حرجة احتاجت إلى رعاية متخصصة، في ظل حديث عن غياب طبيب التخدير بالمستشفى الإقليمي بطانطان، ما استدعى نقل المريضة نحو أكادير. وهنا تبدأ الأسئلة الثقيلة التي لا يمكن إسكاتها بالتبرير الإداري.
فمستشفى الحسن الثاني بطانطان الذي يعجز، وفق المتحدثين عن هذه الواقعة، عن تأمين التخصصات الضرورية للحالات الاستعجالية لا يمكن أن يظل مجرد بناية تحمل اسماً رسمياً وتفتح أبوابها للمرضى. المستشفى الحقيقي هو قدرة على التدخل في اللحظة الحرجة، وامتلاك الموارد البشرية والتجهيزات التي تمنع تحول الحالة الطارئة إلى مأساة، وزهو ما يستوجب بحسب هؤلاء فتح تحقيق جدي وشفاف، لأنه من حق الأسرة معرفة كل تفاصيل ما جرى، ومن حق المواطنين معرفة ما إذا كانت عملية التكفل والنقل تمت وفق المعايير الطبية المطلوبة، وما إذا كان نقص الموارد البشرية قد لعب أي دور في تعقيد الوضع.
المؤلم أن طانطان ليست جزيرة معزولة عن واقع يعرفه سكان مناطق بعيدة عن المراكز الاستشفائية الكبرى؛ إذ كثيراً ما يجد المواطن نفسه أمام معادلة قاسية: مرض في الإقليم، وعلاج في مدينة أخرى، ومسافة طويلة تفصل بين الاثنين، ذلك أن هذا الوضع يضع شعار العدالة المجالية أمام امتحان حقيقي. فلا معنى للحديث عن تطوير الخدمات الصحية إذا ظلت بعض الحالات الاستعجالية رهينة بتوفر اختصاص طبي نادر، أو مرتبطة بقدرة المريض على قطع مئات الكيلومترات بحثاً عن فرصة للعلاج.
هذا وأجمعت أحاديث ساكنة طانطان ورمتفقي مستشفى المدينة، على أن المرأة الحامل ليست رقماً في سجل الإحصائيات، وسيارة الإسعاف ليست حلاً سحرياً لكل اختلال، لكن النقل الطبي قد يكون ضرورياً، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سياسة بديلة عن بناء منظومة صحية قادرة على التدخل محلياً، ليبقى سؤال الوصول إلى العلاج سباقاً مع الزمن، والصمت لم يعد حياداً، والتبرير ليس جواباً، والوعود لم تعد كافية أمام حاجة طانطان لمستشفى ينقذ الأرواح، لا مؤسسة توجه مرضاها لى مستشفيات المدن الأخرى .

















